شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٥٨ - الحديث الأول في نفي الرؤية عنه تعالى
قال: مرّ النبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- على رجل، و هو رافع بصره الى السماء يدعو، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «غضّ بصرك فانّك لن تراه» و قال: و مرّ النبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- على رجل رافع يديه الى السّماء، و هو يدعو، فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- اقتصر من يديك فانّك لن تناله».
شرح: الظاهر انّ علم النبوّة أحاط بانّ الرّجلين زعما انّ اللّه سبحانه جسم و انّه فوق سبع سماوات، كما زعمه الظاهريّون و المشبّهون، و ذلك ظنّ الذين لا يوقنون، و انّه إذا حدّق [١] النظر يمكن أن يرى، و انّه إذا رفع اليد إليه صارت قريبة منه عزّ شأنه، و الّا فتوقّع الرّحمة و انتظار الرزق و النعمة انّما يكون من السّماء، و انّها مواضع قدسه و محالّ كرامته، و انّه ينبغي في أدعية القنوتات و غيرها رفع اليدين إليها، و في بعض أقسام الأدعية يستحب رفعهما فوق الرأس، الى غير ذلك من الأوضاع المفصّلة في كتب الدعاء. و ذلك لا يستلزم كونه سبحانه فيها أو فوقها، و لذلك نهى النبي- صلّى اللّه عليه و آله- ذينك الرجلين لحسبانهما ذلك، و هو من المزاح الممدوح الرادع الى الحق.
و في هذا الخبر نفى الرؤية بكلمة «لن» و عند محققي النحويّين [٢] «لا تفيد هي [٣] توكيد النفي خلافا للزمخشري في كشّافه [٤]، و لا تأبيده خلافا له في أنموذجه، لأنّ
[١] . جدّق: أحدق د م.
[٢] . الكلام منقول من مغني اللبيب لابن هشام (المتوفى ٧٢١ ه) الباب الأوّل، حرف اللّام:
لن، ص ٢٨٤. و ما نسب الى الزمخشري في أنموذجه، سهو من ابن هشام، فانّ الزمخشري قال:
«و معنى لن نفي الاستقبال» و لم يشر الى «التأييد» (جامع المقدّمات، تحقيق المدرّس الأفغاني، شرح الأنموذج، ٢، ص ٣٥٠).
[٣] . هي: هو م ن د.
[٤] . الكشّاف، ج ٢، ص ١٥٤ في تفسير آية ١٤٣ من سورة الأعراف: «فإن قلت: ما معنى «لن»؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا».