شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٨٠٤ - الحديث الثاني في مائية ما ينسب إليه تعالى من الغضب و الرضا و السخط
و غير ذلك، فكأنّه وقع على المستخلف. و سر ذلك انّ ذلك الخليفة ليس له من نفسه شيء بل كلّه من اللّه و للّه؛ و لمّا حصل من ذلك البيان أنّ الذي يصل إليهم فهو يصل الى اللّه، و يصحّ أن ينسب إليه تعالى و ذلك يوهم المحذور المذكور، أزال- عليه السّلام- ذلك الوهم بقوله: «و ليس انّ ذلك يصل الى اللّه كما يصل الى خلقه» و ذلك مثل أن يقال: انّ الذي ضرب غلام زيد فقد ضرب زيدا، ليس معناه انّ الضرب قد وقع على زيد، بل معناه انّه في حكم ضرب زيد في الاستخفاف و الإهانة، فلا يلزم وقوع الضرب على زيد، و ما نحن فيه كذلك، و هذا معنى قوله- عليه السّلام- «و لكن هذا معنى ما قال من ذلك» أي انّ نسبة الإغضاب الى اللّه تعالى حيث قال:
«فلما آسفونا» معناها هو ما وقع على أولياء اللّه تعالى. ثمّ انّه عليه السّلام استشهد على صحّة هذه النسبة بالحديث القدسي و هو قوله: «من اهان لي وليّا» أي استخف به، و الجار يحتمل تعلّقه بالإهانة و بالوليّ، فعلى الأوّل معناه: من أهان لأجل مضادّتي و المعاندة لي، و على الثاني معناه: من أهان وليّا هو من خواصّي اخترته لنفسي. و التفرقة انّه على الأوّل لو لم يقصد استخفاف اللّه لم يكن محاربا للّه، و على الثاني عامّ. «فقد بارزني بالمحاربة» أي تصدّى لمحاربتي و أظهرها، و أصله من برز: إذا ظهر. «و دعاني إليها» كما يدعو القرن قرنه [١] في المبارزة و المحاربة؛ ثمّ استشهد بالآيتين و هما أيضا على سياق ما ذكر. و للمحقق الطوسي [٢] أعلى اللّه مقامه القدسي- كلام شريف يناسب هذا المقام، قال في بعض مصنّفاته: «انّ مراتب الناس في معرفة اللّه مثل مراتب معرفتهم بالنار، فانّ أدناها من سمع انّ في الوجود شيئا يعدم كل شيء يلاقيه و يظهر أثره في كلّ شيء يحاذيه، و أي شيء أخذ منه لم ينقص منه شيء، و يسمّى ذلك الموجود نارا، و نظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة المقلّدين الذين صدّقوا بالدّين من غير وقوف على الحجة؛ و أعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار، و علم انّه لا بدّ له من مؤثّر، فحكم بذات لها أثر هو
[١] . قرنه: قرينه د.
[٢] . أوصاف الاشراف، باب الرابع، فصل الرابع، في المعرفة.