شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٦٧ - طريق آخر في بيان سر عدد السبعين
التاسعة، سبيل قويم و طريق مستقيم في تحقيق ذلك السرّ، و كشف هذا الستر، و هو انّ معنى كون العلل المفارقة بحيث يكون بينها و بين معاليلها سبعون درجة انّ تلك العلل من مقام قدسها و علوّ مرتبتها تسير في كمالاتها سيرا نزوليّا و تسافر من مشارق تجرّدها لعرض الجواهر المندمجة فيها على نفسها الى مغارب نورها الى أن ظهر من نورها جزء من سبعين في معلولها الشارق و نورها عليه حيث لا يتحمّل لمرتبة السافلة أكثر من ذلك المقدار، و الّا لاحترقت من شعاع تلك الأنوار، أو صارت بحيث لا يتمكّن من التوجّه الى ما هو أسفل منها لولهها [١] بالانغمار في النور الأعلى منها و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [٢] و لا يحتمل كلّ آنية [٣] الّا ما يسعها؛ و أمّا الأجزاء الباقية فهي الكمالات الذاتيّة للعلل و الأنوار المندمجة فيها المنطوية، و لا يتجاوز عنها الى غيرها، فقد ورد انّ هذه الشمس المحسوسة لو ظهرت بوجهها النورانيّ و قابلت أهل الأرض بذلك الوجه المضيء لم يمكن تعيّش الحيوانات و لم ينبت في الأرض نبات، و انّ في القيامة تظهر بذلك الوجه الكامن لأنّها موطن بروز البواطن. و هذا الحكم أي التفاوت بين العلّة و المعلول بسبعين درجة ثابت في هذه العلل السافلة أيضا، كما يظهر من جوهرية الصورة النارية و عرضية حرارتها اللازمة، فانظر المسافة ودع عنك الشك و الشبهة. و ذلك بناء على المضاهاة الواقعة بين العوالى و السوافل و المطابقة الحاصلة بين الظواهر و البواطن الّا انّ معرفة خصوص تلك الدرجات في الماديات عسير جدّا. و ليعلم انّ هذه الدرجات بتلك الأعداد انّما هي في العلل و المعلولات الممكنة، و أمّا فيما فوق ذلك فلا يعلم جنود ربّك الّا هو [٤]، و أين نسبه المتناهي الى ما لا يتناهى في الحساب، و ما للتراب و ربّ الأرباب!
[١] . لولهها: لومها م ن د.
[٢] . البقرة: ٢٨٦.
[٣] . كلّ آنية: كلالية د.
[٤] . مقتبس من الآية ٣١ من المدّثّر: وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.