شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٠٩ - الحديث التاسع عشر في المشية
الصفات له، و أسماؤها جارية على المخلوقين؛ و الغرض منه انّ ظهور هذه الصفات عند وجود هذا المخلوق الذي وجوده و كلّ شئونه من اللّه عزّ و جلّ فمشيّته للأشياء هو إحداثه الشيء الأوّل الذي يشاء به سائر الأشياء، و إرادته هو إحداثه أوّل العلل الكونية الذي به يرجّح وجود الكائنات و هو الطبيعة الممسكة لنظام العالم المدبّرة لعالم الأجسام. و من البيّن انّ الذي به تتعلّق المشيّة بوجود الأشياء لا تتعلق به المشية و إلّا لزم تقدم الشيء على نفسه، فهو موجود بنفس المشية التي هو مظهرها و كذا الحكم في طرف الإرادة، فانّ الأمر الذي به يرجّح وجود الأشياء على عدمها لا يحتاج الى مرجّح، لأنّ المفروض انّه المرجّح، فلو احتاج الى المرجّح لزم توقّف الشيء على نفسه.
و تحقيق الحقّ في ذلك: انّ الموجودات على ثلاثة أنحاء: موجود منزّه عن المادة و لواحقها، و موجود مع المادة، و موجود في المادة. و الأوّلان انّما يصدران عن المبدأ الأوّل بلا استعداد أصلا لكونهما غير متعلّقي الوجود بالمادة و الى هذا القسم من الحقائق أشير في أدعية أهل البيت- عليهم السّلام-: «يا مبتدأ بالنعم قبل استحقاقها»؛ و أمّا الصنف الثالث فيحتاج الى استعداد من المادة حتّى يرجّح وجودها في مراتبها و أوقاتها الخاصة؛ و من المجمع عليه في العقل و النقل انّ الإرادة هي الصفة المرجّحة لوجود الشيء: أمّا العقل فواضح من تتبّع مذاهب العقلاء، فانّهم مع الاختلاف [١] في كيفية وجود هذه الصفة متّفقون في أنّها الصفة المرجّحة؛ و أمّا النقل فلما سيأتي في أواخر الكتاب عنهم- عليهم السّلام- انّ: «بالإرادة ميّز الأشياء» فهي ممّا يحتاج إليها في الكائنات الماديّة. و من ذلك ثبت حدوث الإرادة، ففي الخبر: «من زعم انّ اللّه لم يزل مريدا شائيا فليس بموحّد» [٢].
ثمّ انّ القسمين الأوّلين من الموجود أي الذي لا تعلّق له بالمادة أصلا و الذي
[١] . الاختلاف: اختلاف د.
[٢] . التوحيد، ص ٣٣٨ باب المشيئة، حديث ٥.