شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٥ - تبصرة أيضا في الإبصار
الشيء المحسوس بقوّتها الحسّيّة فتقشّرها تقشيرا ما الى أن يستعدّ ذلك الشيء المقشّر للوصول الى القوى الباطنة المدركة للامور المتوسّطة بين المحسوس و المعقول، ثمّ تقشّرها تلك القوّة تقشيرا تامّا فتعرضها على القوّة العاقلة فتصير غذاء للنّفس و جزءا لها و ترجع الى المرتبة التى ابتدئ منها.
و سادستها، انّ الإدراك لا يمكن إلّا بالإحاطة أي إحاطة القوّة الى الشيء إحاطة تكون كأنّها هو، أو هو كالجزء لها. و قد شهدت بذلك الأخبار عن الأئمة الأطهار كقولهم: «لا تحيط به الأوهام» [١] الى غير ذلك و قال تعالى: وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [٢] و الإحاطة الغير المقدارية لا تكون الّا من طريق العليّة و اشتمالها على المعلول اشتمالا كأنّها باطنه و هو الظّاهر منها. و قد سبق انّ المعلول هو ظاهر ما في العلّة و أثر لما في باطنها من الحقائق المندمجة فيها.
و هذه الفوائد، كلّها، مقدّمات جليّة غير خافية على من له أدنى تدرّب في الحكمة المتعالية. و أنت إذا تذكّرت لذّة الفوائد الشريفة في أنفسها، النافعة في المقدّمة التي نحن بصددها، فاستمع ما ذا يقرع سمعك ممّا لم تجده في زبر السّابقين:
فنقول [٣]: لا ريب انّ من جملة تلك الرّوازن، شبكة العين الّتي إدراكها للمبصرات انّما هو بتوجّه النّفس الى ظواهر الأشياء، بحيث تصل الى الألوان و الأضواء و هذا التّوجّه انّما يتيسّر بأن تنطبع النّفس في المادّة الموضوعة للآليّة حتّى تصير كأنّها صورة ماديّة و قوّة حسيّة، فتتمكّن من إدراك هذا النّحو من المحسوس. و إذا أدركت شيئا عقليّا من الحقائق التي تشعّبت منها بالالتفات و التوجّه إليه على معنى رجوعها الى ذاتها، وجدت في ذاتها صورة مطابقة لها هي أصل تلك الحقيقة العقلية، بل عينها؛ فالقدماء الأخيار بعضهم نظروا الى انقشاع تلك السحابة عن النفس بسبب
[١] . التوحيد، باب ٣٦ (باب الرد على الثنوية و الزنادقة) ص ٢٦٢.
[٢] . طه: ١١٠.
[٣] . فنقول: فيقول ب.