شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٨١١ - الباب السابع و العشرون باب معنى قوله عز و جل و نفخت فيه من روحي تفسير قوله تعالى و نفخت فيه من روحي
الباب السّابع و العشرون باب معنى قوله عزّ و جلّ: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [تفسير قوله تعالى: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي]
شرح: الآية الكريمة هكذا: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فلنذكر في بيانها ما ذكره بعض العلماء مع أدنى تلخيص: اعلم انّ التسوية فعل في المحل القابل للروح و هو الطين أو النطفة بالتصفية و التعديل للمزاج، فكما لا يقبل النار ما هو يابس محض كالتراب، و لا ما هو رطب محض كالماء، بل لا بدّ من تركيب الطين بالماء مع تردّد في أطوار الخلقة حتّى يصير نباتا ليتشبث به النار فيشتعل، كذلك الطين بعد أن ينشئه اللّه خلقا بعد خلق الى أن يستعد لنفخ الروح، مثال ذلك في النطفة أن نقول: لمّا أنشأ اللّه الطين في أطوار الخلقة الى أن يصير نباتا جعله غذاء للآدمي، فيصير دما فتنتزع القوة المميّزة من الدم صفوه الذي هو أقرب الى الاعتدال، فتصير نطفة، فيقبلها الرحم و يمتزج بها مني المرأة بعد ما انتشرت في أعماق بدنها، أربعين يوما كما في الخبر، فيزداد به اعتدالا، ثمّ ينضجها الرحم بحرارته فيزداد تناسبها حتّى ينتهي في الصفاء و استوى به الأجزاء الى الغاية القصوى، فيستعدّ لقبول الروح و إمساكها كالفتيلة التي تستعد عند شرب الدهن لقبول النارية، فالنطفة عند الصفاء و الاستواء تستحق باستعدادها روحا يدبّرها و يتصرّف فيها، فيفيض عليها الروح من وجود الإله الحق، و فضل الغني المطلق الواهب لكل مستحقّ ما يستحقه، و المعطي لكل مستعد ما يستعدّ له على قدر قبوله و احتماله، فهذه هي التسوية، و قس على ذلك طينة آدم و تطوّرها في الأطوار بانضمام لطف اللّه تعالى و إنضاج الأشعّة النجوميّة إيّاها، الى أن بلغت مبلغ القرار من التسوية؛ و أمّا «النفخ» فهو عبارة عن اشتعال نور الروح في فتيلة النطفة، و للنفخ