شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٤ - كلام في تفسير«الصمد»
«الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار».
قلت: بون ما بينهما بيّن، و فرق ما بينهما هيّن، فانّ الوجوب بالاختيار الذي يقولون به هو انّ ذلك الوجوب نشأ من اختيار أحد من الطرفين بسبب من الأسباب، فللاختيار مدخل في ذلك الوجوب، بمعنى انّه لو قطع النظر عنه لم يبق ذلك الوجوب بحاله و أمّا فيها نحن بسبيل إبطاله فالوجوب ليس ناشئا من الاختيار و لا له مدخليّة فيه، لأنّه لو قطع النظر عن الاختيار لكان ذلك الوجوب بحاله، لأنّه كما بيّنّا إنّما نشأ من الذات بذاته و لنتدرّج من ذلك و نقول: كلا الوجوبين- أي الذي بالاختيار و الذي لا بالاختيار- لا يجوزان على اللّه جلّ جلاله: أمّا الثاني فلأنّه صريح في الاضطرار كما بيّنّا، و أمّا الأوّل و هو الوجوب بالاختيار فانّه و إن كان لا ينافي الاختيار في الجملة، لكنّه ينافي الاختيار المطلق الذي هو صفة كمالية للّه عزّ مجده، لأنّ المختار المطلق هو الذي لا يضطرّه شيء من الأشياء في حال من الأحوال، و إلّا لكان فيه جهة إمكانيّة؛ تعالى كبرياء ذاته عن ذلك علوّا كبيرا:
بيان ذلك: انّ إيجاب أمر شيئا على اللّه- سواء كان ذلك الأمر هو الاختيار أو غيره- يستلزم أن يكون حصول ذلك الشيء ممكنا بالنظر الى ذاته سبحانه، لأنّه لمّا فرض الإيجاب من ذلك الأمر فلم يكن الشيء بالقياس إليه سبحانه واجبا و لا ممتنعا و هو ظاهر، فيجب أن يكون بالنظر إليه سبحانه ممكنا، فيلزم أن يكون فيه [١] سبحانه جهة إمكانية و قوّة منتظرة بالنسبة الى ذلك الشيء، و أن [٢] يكون هو سبحانه متأثّرا من شيء، و جميع أنحاء الإمكان على اللّه سبحانه مستحيل لأنّه [استوت] [٣] نسبته الى كلّ شيء، فلم يقرب منه قريب و لم يبعد منه بعيد، و لا قوّة و لا نقصان فيه بجهة من الجهات؛ تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.
[١] . فيه سبحانه: له د.
[٢] . و أن: أن ب.
[٣] . استوت: استوى (جميع النسخ).