شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦١٥ - الفصل الأول في بيان قوله تعالى الله نور السماوات و الأرض
في ذلك، بل انّ ذلك الاسم على غير النور الأوّل مجاز محض، إذ كلّ ما سواه إذا اعتبر بذاته فانّه لا نور له أصلا بل استعار النور من هذا النور المحض الحقيقيّ.
أقول: و أنا أسمّي هذا القسم بخاصّ الخاص فالمعاني خمسة.
و إذا ظهر انّ النور راجع الى الظهور و الإظهار، فاعلم انّه لا ظلمة أشد من كتم العدم، لأنّه لا ظهور له أصلا، و في مقابلته الوجود فهو النور.
و «الوجود» [١] أيضا ينقسم الى ما له من ذاته، و الى ما له من غيره فهو مستعير لاقوام له بنفسه، بل إذا اعتبر ذاته من حيث هو هو فهو عدم محض، فالموجود الحقّ هو اللّه تعالى، كما انّ النور الحق هو سبحانه. و من هاهنا ترقى العارفون من حضيض المجاز الى يفاع الحقيقة، فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود الّا اللّه و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [٢] و لم يفتقر هؤلاء الى قيام القيامة ليسمعوا نداء المنادي: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [٣] بل هذا النداء لا يفارق سمعهم و لم يفهموا من معنى اللّه اكبر الّا انّه اكبر من أن يدرك غيره كنهه.
أقول: أو أكبر من أن يوصف كما ورد في أخبارنا [٤].
و بالجملة [٥]، إذا وصلوا الى تلك الحالة، فمنهم، من كان لهم فيها عرفان؛ و منهم، من ليس له ذلك بل انتفت عنه الكثرة و استغرق بالفردانية فلا متّسع فيه لذكر غير اللّه و لا لذكر نفسه، فلم يكن عنده الّا اللّه، فسكر من مشرب التوحيد ما دفع عنه سلطان العقل، و من هذا ما نقل عن أبي يزيد البسطامي و غيره من الكلمات التي لا يوافق العقل و لا الشرع، و لا بأس بأن يرى الإنسان خمرا في زجاجة صافية،
[١] . مشكاة الأنوار، ص ٥٥- ٥٦.
[٢] . القصص: ٨٨.
[٣] . غافر: ١٦.
[٤] . الكافي، ج ١١٧، باب معاني الأسماء، حديث ٨.
[٥] . مشكاة الأنوار، ص ٥٧.