شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٣٨ - الحديث الخامس عشر ان الله تعالى محيط بما خلق علما و قدرة و إحاطة و !
ذكرنا، و ملخّصه انّ حقيقة الحق مجهولة لا يحيط بها علم، و لا يقاس بشيء، و لا يعتبر معها أمر، لعدم المناسبة بين الحقّ و الخلق من حيث ذاته؛ إذ لو ثبتت المناسبة من وجه لكان الحق من ذلك الوجه مشابها للخلق مع امتيازه بما عدا ذلك الوجه، و ما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزم التركيب المؤذن بالفقر و الإمكان [١] المنافي للغنى و الأحدية، و لكان الخلق أيضا مع كونه ممكنا بالذات و مخلوقا مماثلا للحق من وجه، لأنّ من ماثل شيئا فقد يماثله ذلك الشيء، و الحق الواحد الغنيّ لا يماثل شيئا و ليس كمثله شيء. و مع صحّة ما ذكرنا فانّ تأثير الحق في الخلق غير مشكوك فيه، فأشكل الجمع بين الأمرين المحقّقين. و التفصّي عن ذلك بأن تعرف انّ اللّه عرّف بعض عبيده بسرّ نعوت ذاته الغنية عن العالمين كالألوهية و ما يتبعها من الأسماء و الصفات، ثمّ أراهم ارتباطها بالمألوه و أوقفهم على سرّ التضايف المنبّه على توقّف كل واحد من المتضايفين على الآخر، فظهر لهم وجه ما من وجوه المناسبة؛ و عرّفهم أيضا أحدية كل موجود سواء كان مركّبا أو بسيطا بالنسبة البعيدة الى أحدية تخصّه و إن كانت أحدية كثرة، فانّ للكثرة أحديّة أيضا، و أراهم أيضا أحدية كلّ شيء من حيث حقيقته المسمّاة ماهيّة و عينا ثابتة و هي عبارة عن نسبة كون الشيء متعيّنا في علم الحق أزلا، فحقيقة الحق في المرتبة الواحدية عبارة عن صورة علمه بنفسه من حيث تعيّنه في تعلّقه بنفسه، و حقيقة الخلق عبارة عن صورة علم الربّ به، و علم الحق نسبة من نسب ذاته، فنسبة معلومية كلّ موجود من حيث ثبوته في العلم الإلهي لا يفارق الموصوف، لا بمعنى انّ العلم صفة قائمة بذات الحق و لا بمعنى انّ العلم عين الذات، فانّه لا يتعقل حينئذ نسبة ممتازة عن الذات يعبّر عنها بالعلم، أو غيره، بل وحدة، لا يتميّز العلم عن العالم و المعلوم فلا كثرة و لا تعدّد، اللّهمّ إلّا بحسب الاعتبار. فالألوهية نسبة، و المعلومية نسبة، و التعين نسبة، و الوحدة المنعوت بها الألوهية نسبة، و العين الممكنة من حيث تعرّيها عن الوجود و التوجّه الإلهي للإيجاد بقول «كن» نسبة، و التجلّي المتعيّن من
[١] . الإمكان: إمكان د.