شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٤٥ - فصل في شرح قسم من الحديث
أترابا، و فواكه أضرابا، فانتشرت تلك الأسرار في الأصقاع و الأمصار [١]، و ظهرت الودائع التي أودعها مولى الأبرار بصور مختلفة، و هيآت متناسبة، يعرفها من يعرفها، فصارت الأسرار المودّعة كأنّها مادة تصوّرت بصور شتّى، و تلبست بلباس لا يحصى، لكن بعض من تلك الثمار و الفواكه بصفاء فطرتها حسب مناسبات تعرضها، عرفت عرفانا جليّا و شعورا فطريّا، انّ ذلك من هذا، فصارت حلوة أو مفيدة فائدة تامة، و بعضها لم يذعن فصارت مرّة و مضرّة كاملة، و لا تحسبنّ انّ ذلك مختصّ بوجودهم العنصري الكوني فيختلج ببالك انّه كيف يكون هذا قبل ذلك الوجود فانّه- عليه السّلام- كان مع الأنبياء سرّا و مع نبيّنا جهرا [٢] صلوات اللّه عليهم أجمعين.
و بالجملة، لمّا حملت الأرض بتلك الأسرار أجاءها المخاض الى جذوع النخيل و الأشجار، و عروق الكروم في الأمصار، و أصول الأوراق و الثمار، و خدود الأوراد و الأزهار، فعاشت منها أجساد جماعة، و ارتاحت أرواح طائفة، و لكل امرئ ما يشتهي من خوان فضل مولانا عليّ، صلوات اللّه على نبيّنا و عليه و على أولاده خلفاء اللّه و مصطفيه.
الوجه الرابع، من وجهة العلة الغائيّة، و هي انّه لمّا كان المقصود من الإيجاد هو الإنسان، و ذلك انّما يحصل بالكامل و هم- عليهم السّلام- الكامل الذي لا أكمل فوقه و لا في درجته، فما دام هو في الدنيا دامت هي و ما فيها و الكائنات من المعادن و النبات و الحيوان يتكوّن، و المسخّرات من الأرضين و السماوات يتسخّر، فإذا انتقل الأمر الى الدار الآخرة مارت هذه السماء مورا، و سارت الجبال سيرا، و دكّت الأرض و السماء دكّا، و انتقلت العمارة الى دار أخرى، فصحّ من ذلك أنّ بهم ينبت النبات و يتكوّن الكائنات.
[١] . الأمصار: الأسحار د.
[٢] . مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي، ص ٨٥: «انّي لم أبعث نبيّا قطّ إلّا جعلت عليّا معه سرّا و جعلتك معه جهرا».