شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٥٨ - المنهج الثالث في دفع الشبهات
- عليهم السّلام- في خبر طويل الى أن قال: «و انّما أفنى اللّه الصّور و الهجاء» ثمّ انّه يكتسي بعد الانعدام صورة أخروية مناسبة لتلك النشأة. و في الخبر: «انّ في الجنة سوقا تباع فيه الصور» [١] قيل: «السوق» عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشية، لا كالاختراع الذي بمعرض الزوال، كما في النوم في هذا العالم. و هذه القدرة أوسع و أكمل من القدرة على الإيجاد خارج الحس، لأنّ الموجود في خارج الحسّ لا يوجد في مكانين، و إذا صار مشغولا بواحد يصير محجوبا عن غيره، بخلاف هذه القدرة التي في الآخرة، فانّها يتّسع اتّساعا لا ضيق فيه، حتّى لو اشتهى جماعة مشاهدة النبي- صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- في ألف مكان في حالة واحدة لشاهدوه [٢] كما خطر ببالهم في الأمكنة المختلفة. و أمّا آية «الهلاك»، فهو انّما يكون إشارة الى الهلاك الذاتي لجميع ما سوى اللّه و سيجيء تحقيقه في الأبواب اللّاحقة إن شاء اللّه.
و أمّا شبهة العرض، فالتحقيق في الجواب: انّه قد وردت آيتان في ذلك:
إحداهما، قوله سبحانه: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ [٣] و الاخرى:
كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ [٤] و ذلك شأن واحد من الجنان، و انّ منها ما هي أوسع من ذلك، و التي عرضها ذلك هي السماوات و الأرض المبدّلة غيرهما، و ذلك بإفناء كلّ صورة و تقطيع و عرض و تخطيط سوى المقدار، لأنّه من لوازم الجسمية.
و ليعلم انّ في هذا المقام إشكالا آخر و هو الذي أورده أسقف نجران في أيّام عمر، ففي طرق العامة عن أنس بن مالك، قال: قدم أسقف نجران على عمر لأداء الجزية، فدعاه عمر الى الإسلام، فقال: يا عمر: انتم تقولون للّه جنة عرضها كعرض السماء و الأرض، فأين يكون النار؟ قال: فسكت عمر، و كان عليّ- عليه
[١] . اشرنا الى مأخذه سابقا.
[٢] . لشاهدوه: يشاهدوه د.
[٣] . آل عمران: ١٣٣.
[٤] . الحديد: ٢١.