شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٧٦ - تذنيب في ذكر شبه فخر الدين الرازي و أجوبتها
البيوت من أبوابها، و انّهم لن يغنوا [١] من الحق شيئا، و لا ازدادوا الّا بهتانا و كفرا، فعموا عن الحق و صمّوا ثمّ عموا و صمّوا، أو ليس من المستبين عندك ممّا أسلفنا لك من المعارف، و عرّفناك ما لم تكن تعرف انّ الأزل ليس كما يتوهّمه أهل الأهواء الفاسدة ظرفا للوجود، متقدّما على الزمان تقدم ذوات المقادير، و منتهيا الى مبدأ وجود الزمان الذي هو وعاء الانصرام و التغيير، و إلّا لكان هو أيضا أمرا مقتدرا متصرّما كالزمان متجزّئا بالذهاب و الإتيان، فالأوّل عبارة عن اللّامسبوقية بشيء و اللّامعية لشيء، و هذا المعنى ثابت أمس و الآن و غدا، و لا انقطاع له أمدا، لست أعني بذلك انّه منطبق على الزمان، و لا أنّه كان أمس و الآن كائن و سيكون، على ما توهّموا من استمرار الوجود و بقائه، بل بمعنى انّه محيط بما هو كان و انّه يصدق على الأزلي في كلّ آن انّه كان، ففي الأمس و الآن كان، و ليس له ماض و استقبال و «ليس عند ربّك صباح و لا مساء»، و لا يصحّ «متى كان؟» و «متى يكون؟» و «متى هو كائن؟» فانّ كلّ ذلك تجدّد حال و اختلاف أحوال، بل هو كائن في كلّ زمان و لا يخلو عنه زمان و لا مكان.
ثمّ اعلم انّ علمه تعالى كذاته ليس يصدق عليه «كان» و لا «سيكون»، و ما ورد من انّه كان عالما إذ لا معلوم [٢]، يصحّ الآن بعين ما يصحّ القول بذلك فيما سبق من الزمان، فعلمه بالأشياء قبل كونها كعلمه بها بعد ما كوّنها، على ما ورد أيضا، كما انّ ذاته سبحانه كذلك، فليس هناك تابعية و لا متبوعية و لا استحصال و لا استحضار، و ذلك لما قد تقرر في مقره: انّ علمه تعالى بالأشياء هو نفس ذاته الغنيّة عن العالمين على معنى انّ علمه بالأشياء هو عين علمه بذاته، إذ لو كان غيره لتفاوتت ذاته سبحانه، و ذلك كفر عند أهل العرفان. و يجب من ذلك أن تكون معلوميتها بعين معلوميّته تعالى، و الّا لكان علمه بها غير علمه بذاته تعالى، و قد بان استحالة هذا. و من البيّن انّ معلوميّة الأشياء له هو وجودها له، و يجب أن
[١] . لن يغنوا: لم يغنوا م ن د ب ر.
[٢] . التوحيد، ص ٥٧ و قريب منه في ص ٣٨: «له ... معنى العالم و لا معلوم».