شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٩٦ - الموقف الأول في الجواب عن شبهة العلم الأزلي
فالعلم متقدّم على المشية، و هي على الإرادة، و هي على التقدير، و هو على القضاء، و هو على الكتاب، و هو على الإمضاء كما يعلم بأدنى تأمّل فيها، و كذا في الصفات الأخر الإلهية، بل في أوصافنا و أخلاقنا المحمودة منها و المذمومة، فتبصّر.
ثمّ من البيّن انّ العلم له نسبة الى العالم، ثمّ الى المعلوم، و قد بيّنا لك بالبراهين الحقيقية و سنحقّق أيضا ببيانات وافية انّ الجهة التي للعلم الى الموصوف به سلب محض لا نصيب لها من التحقّق و الشيئية أصلا بل هو راجع الى سلب نقيضه و هو الجهل. لكن الجهة التي الى المعلوم وجوده بنفس وجود المعلوم لا بوجود علّته [١] و إلّا لزم مفاسد لا تحصى: من كون صفة شيء قائما بغير الموصوف بل معلومية الشيء لعلّته عين موجوديته منه. و هذا معنى قول أهل المعرفة انّ الظاهر عين المظهر من وجه، فظهر من ذلك انّ وجود الشيء عن علّته و صدوره عنها نفس معلوميّته و عين علم العلة به، و هذا معنى ما ورد عنهم- عليهم السّلام- من انّه لمّا وجدت العين وقع العلم على المعلوم؛ فكل ما يتوهّم من الزيادة، فلا ينفك عن علم العلّة إذ لا تفصيل للمعلوم عن العلم و لا سبق هاهنا إلّا عند الوهم فلا يلزم من الزيادة و النقصان في عالم الخلق و لا من المحو و الإثبات في عالم التقدير تغيّر في العلم و لا اختلاف فيه، فاعرفه.
و لنرجع الى الفحص عن الشيء الأزلي و نبيّن المقصود من هذا الوجه الخفي، فاسمع و لكن قال اللّه تعالى: وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [٢] انّ كلّ ذات تقدّست عن مرّ الدهور و تنزّهت عن التقيّد بالمضي و الغبور، فانّه هاهنا و هناك و فوق و تحت و قدّام و خلف، فهو الأوّل بالنسبة الى الزمانيّين، و الآخر بعدهم، و معهم اينما كانوا، و متى ما كانوا، كما قيل: «ليس عند ربّك صباح و لا مساء» فلا يصحّ في الشيء الآني و الموجود الآن انّه وجد بعد ما كانت علّته الأزلية موجودة
[١] . علّته: زائد عليه د.
[٢] . فاطر: ٢٢.