شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥١١ - الحديث التاسع عشر في المشية
الإرادة و هو [١] من حيث تأحّده بالموجود الذي فوقه طبيعة و مظهر لصفة الإرادة، و من حيث لزومه للمادة صورة و كائن بالإرادة، و هذا معنى قولنا انّ الإرادة مخلوقة بنفسها. ثمّ انّ ترجيح وجود الشيء يتفرّع على معرفة صفاتها و خواصها، و لمّا لم يكن هناك ذهن و ذاهن فيجب أن يكون للشيء المراد في مقام الترجيح وجود آخر فوق تلك المرتبة و لا نعني بالمشيّة إلّا تلك المعرفة الخاصة، و ليس فوق مرتبة الوجود في المادة بلا توسّط إلّا الموجود مع المادة، فهو إذن مظهر المشية، و من الواضح انّه المسمّى ب «النفس» في لسان الحكمة، فالنّفس مظهر المشية؛ ففي الخبر [٢]:
«و بالمشية عرف صفاتها و خواصها [٣] و أنشأها قبل إظهارها». و لمّا تبيّن لك تأحّد الموجود الذي يقال له «الطبيعة» فتحدّس من ذلك تأحّد المشية و الإرادة من وجه. و لذلك وقع كثيرا ما في الأخبار التعبير بكل منهما عن الآخر و الاكتفاء بواحد منهما عن كليهما. ثمّ من المستبين انّ المعرفة بالصفات و الخواص علم مقيّد، و المقيّد فرع المطلق، و متأحّد معه نحوا من التأحّد، فيكون الموجود الذي هو مظهر المشيّة متّحدا بنحو ما مع الموجود الذي هو مظهر العلم المطلق. و لمّا كان التقييد انّما يكون من قبل المادة فالموجود الذي هو مظهر المشية هو النفس لا غير، لأنّ هذا التقييد لأجل الفعل، و النفس بالنظر الى المادة كذلك.
و لمّا لم يكن للعلم المطلق نسبة الى المادة بل المادة و الماديّات بالنسبة إليه على السواء، فيكون مقدّسا عن المادة في الذات و الفعل. و هذا هو الذي يسمّى ب «العقل». فالنفس التي هي مظهر للعلم الخاص الذي هو المشية فرع الموجود الذي هو العقل، فالعقل مظهر العلم الكلي الإلهيّ. و الى هذا التأحّد بين المظهرين أشار الإمام- عليه السّلام- بقوله: «خلق المشية بنفسها» [٤] و الى هذه التأحّدات
[١] . و هو: هو د.
[٢] . الكافي، ج ١، باب البداء، حديث ١٦، ص ١٤٩.
[٣] . خواصّها: حدودها (الكافي).
[٤] . التوحيد، باب صفات الذات و الأفعال، حديث ١٩، ص ١٤٨.