شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٨٠ - الحديث الأول تفسير قوله تعالى و الأرض جميعا قبضته
الآية وقعت في مقام التعيير على قوم زعموا ذلك، و التنزيه عن قولهم. و تبيين ذلك انّما يحصل بأمور ثلاثة: الأوّل كون «الواو» بمعنى «إذ»، و الثاني تقدير «القول» بعده، و الثالث علة التنزيه و تأييده. أمّا الأمر الأوّل فقد ذكر الثعالبي [١] انّ «الواو» قد جاء بمعنى «إذ» في قوله تعالى: وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يريد: «إذ طائفة» و ذلك شائع في الكلام. و قد جعل سيبويه «الواو» الحالية الداخلة على الجملة الاسميّة و كذا الأقدمون بتقدير إذ، قيل: و لم يريدوا انّهما بمعنى واحد إذ لا يرادف الحرف الاسم، بل انّها و ما بعدها قيد للفعل السابق، كما انّ «إذ» كذلك؛ و يمكن الجواب بأنّ تلك «الواو» في الجملة الاسمية بمعنى «إذ» في الجمل مطلقا، و ذلك لا يستلزم الترادف كما لا يخفى، كيف؟ و قد ذهب الثعالبي و أبو البقاء و غيرهما الى انّ ما في الآية بمعنى «إذ». و أمّا الأمر الثاني و هو تقدير «القول» بذلك أيضا كثير، سيّما في القرآن، منها: قوله تعالى حكاية عن إيمان المؤمنين باللّه و كتبه و رسله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [٢] أي قالوا: «لا نفرّق» ثمّ عطف عليه قوله:
«وَ قالُوا سَمِعْنا» و يشهد بهذا التقدير في الآية المسئول عنها ما ورد في الآية الأخرى، حذو هذا السياق حيث تقدّم فيها: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ كما في هذه الآية، فصرّح بعده بلفظ «القول» و هي قوله عزّ من قائل: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. و أمّا الأمر الثالث أي كون الآية للتنزيل فلتعقيبه بقوله: سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ و هذا ظاهر.
و سيجيء محمل آخر للآية الكريمة في الخبر التالي لهذا الخبر. ثمّ لا يبعد أن يقال على هذا التقدير: انّ ذلك التنزيه باعتبار انّ الزاعمين لهذا القول قد خصّوا القبضة و الطيّ بالآخرة دون النشأة الدنيوية و ذلك باطل قطعا، إذ ليس للّه تفاوت أحوال و لا له سلطنة في حال دون حال. و يؤيّد ذلك تقدير الآية بقوله: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما وصفوه كما ينبغي لكرم وجهه و ما عظّموه حقّ عظمته، حيث
[١] . في فقه اللغة، قسم سرّ العربية، ص ٢٣٣.
[٢] . البقرة: ٢٨٥.