شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٨٩ - النور الأول فيما يليق بتفسيرها و ذكر الأقوال في إطلاق«النور» عليه تعالى
يطلق النور على البصيرة الباطنية لأنّها أقوى إدراكا، فهي تدرك نفسها و غيرها من الكليات و الجزئيات و تغوص في بواطنها و تتصرّف فيها بالتركيب و التحليل.
ثمّ من البيّن انّ هذه الإدراكات ليست لها بذاتها و الّا لما فارقتها، فهي إذن من سبب يفيض عليها و هو اللّه سبحانه ابتداء أو بتوسّط من الملائكة و الأنبياء، و لذلك سمّوا أنوارا. و يقرب منه قول ابن عباس: انّ معناه: اللّه هادي من في السماوات و الأرض، فهم بنوره مهتدون. و أمّا إضافة «النور» الى «السماوات و الأرض» فللدّلالة عليه سعة إشراقه كما في قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية و العقلية، و قصور الإدراكات البشرية عن الإحاطة بهما و بما يتعلّق بهما و بما يدلّان عليه، فكيف بما ورائهما من الأنوار الغيبية و الإشراقات الإلهية»- انتهى كلامه بأدنى توضيح.
و قيل: اللّه منوّر بواطن الملائكة حتّى سبّحوه و قدّسوه، و منوّر قلوب الرسل حتّى عرفوه و عبدوه حق العبودية و كذلك المؤمنون؛
و قيل: نور السماوات: الملائكة، و نور الأرض: الأنبياء و الأولياء؛
و قيل: النور في السماء إظهار الهيبة، و النور في الأرض إظهار القدرة؛
و قيل: من عرف انّ اللّه نور السماوات و الأرض لم يمنّ على اللّه بطاعته و لا بسبب ذكره و لا بشيء من أبواب الخير لأنّ اللّه وفّقه لذلك و هداه، و نوّر قلبه و اصطفاه، لأنّه يقول: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ؛
و قيل انّه: انّ منوّر قلوبكم حتّى عرفتم و وحّدتم، و ختم بقوله: «يهدي لنوره من يشاء». و كان أوّل ما ابتدأ به اللّه نور السموات و الأرض أي انا مبتدئ النعم و متمّها و إليّ خاتمتها، فالأوّل فضل و الآخر مشية، فهو المجتبي لأوليائه و الهادي لأصفيائه؛
و قيل: انّ اللّه نور السموات و الأرض و هو نور النور، يهدي من يشاء بنوره الى قدرته، و بقدرته الى غيبه، و بغيبه الى قدمه، و بقدمه الى أزله و أبده، و بهما الى