شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٢٠ - مبادي الكون
وجود تلك المبادي، لا في إيجاد مبادي الوجود من النور القاهر و الاسم الباهر، و لأنّ ظهور القدرة [١] انّما هي في مرتبة الأرواح، فلا محالة يكون الكلام في الموجودات التي بعد العقول و النفوس. و من البيّن انّ مبادي الكون ثلاثة: العدم، و الهيولى، و الصورة. و قد أشار الى الأوّل بقوله- عليه السّلام-: «إذ لم يكن» الى آخر ما قال. فبقيت الهيولى و الصورة الطبيعية و لا يخفى انّهما ظلّان للأنوار القدسية و أثران للأسماء الإلهية، فالهيولى ظلّ للعقل الذي هو أوّل خلق اللّه، و الصورة ظلّ النفس الكليّة و وجه الظليّة انّهما معلولتان لهذين النورين و المعلول ظل العلة، و لأنّهما متعلّقتان بعالم الكون الذي يشبه الظلمة بالنظر الى عالم الأنوار الربوبية، و الظلّ يقابل النور. و لمّا كان وجود الهيولى لا يتصوّر بدون الصورة أشير الى تلك المعية اللزومية بمعيّة الصدور، و إن كان الحقّ عندنا تقدّم جعل الهيولى على الصورة بحسب المرتبة و الشرف العقلي، خلافا لمن قال بالعكس من ذلك؛
و في المياومات المفاوضة لمعلّم الحكمة الى ذي القرنين ما هذه ترجمته: «أنشأ اللّه [٢] الخليقة لا من موجودات، و أحدثها لا من متقدّمات. خلق الرءوس الأوائل كيف شاء، و برأ الطبائع الكلية من تلك الرءوس على ما شاء، و الرءوس أوّل الخلقة و ابتداء ما أنشأ الباري عزّ و جلّ، و الطبائع و كلّ ما كان من اختلاف خلق الطبائع يتفرّع من تلك الرءوس. فالرءوس لا محالة: أوّلها و أكرمها الصورة، و الثاني الهيولى، و الثالث العدم لا بزمان و لا بمكان. و الباري عزّ و جلّ، يجلّ من هذه الأشياء لأنّه منشئها و محدثها» [٣]- انتهى. و «المياومات» المرسلة يوما فيوما. و كان ذلك حين سافر اسكندر للغزاء و لم يذهب ارسطو معه في ذلك السفر. و قوله:
«أوّلها و أكرمها الصورة» انّما هو بحسب انّها جهة الفعلية و هي أشرف من القوة.
[١] . إشارة الى وجه إيراد هذا الخبر في باب القدرة أيضا. منه.
[٢] . اللّه:- د.
[٣] . محدثها: يحدثها م.