شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٩١ - وجه عدم إمكان رؤيته تعالى
تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [١] و سيجيء بعض ذلك في الأبواب اللّاحقة.
و في ذلك نكتة و سرّ: أمّا النكتة، فلبيان انّ الممكن من رؤية اللّه تعالى و الذي يجوز أن يكون مطمح النظر للسّالك الى اللّه هو رؤية آياته الكبرى و مظاهر أنواره العظمى لا غير، إذ المجرّد عن الأكوان لا يمكن أن يرى بالعين، و المقدّس عن الأشباه و الأمثال يمتنع أن يحيط به العلم؛ و أمّا السرّ، فهو انّ الظاهر في الحقيقة ليس الّا اللّه و ليس في الوجود غيره و انّما هي أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ [٢] فلا يرى النظر الجليل سوى اللّه في الدارين، لكن لا يحيط به سبحانه لا علم و لا رؤية بالعين، و فرق ما بينهما إذا رفع الحجاب عن البين، و في دعاء عرفة لسيّد الشهداء:
«عميت عين لا تراك و لا تزال عليها رقيبا».
تبيين: ثمّ انّ الإمام بعد ما ردّ استدلال السائل بالروايات و الآيات، كرّ عليه بالاستدلال كما هو طريق الإرشاد من الضلال بقوله: «و قد قال وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» و صورة الدليل انّ اللّه سبحانه قد قال ذلك، و العلم يشمل الرؤية العينيّة و المعرفة القلبيّة، فإذا جازت الرؤية بالمعنى الذي يقولون: بأن يرى هو سبحانه على صورة البشر أو أن يكون لرؤيته كيفيّة بأن تكون له صورة و حدود بها يمتاز عن الخلق، فقد أحاطت به العين و الرؤية العينية، و لمّا كان العين جاسوس القلب فقد أحاطت به المعرفة القلبيّة أيضا، و ذلك يخالف صريح الآية، حيث نفى أنحاء الإحاطة العلمية لكون النكرة بعد النفي للعموم، و مع كون ذلك مخالفا للآية يمتنع عقلا: أمّا الرؤية العينيّة فلكون اللّازم منها: إمّا تحقق الحدود المقدارية له تعالى أو رؤية كنهه، و أمّا المعرفة القلبية فكذلك لأنّ إحاطة العقل: إمّا أن يكون بالحدود العقلية أو بكنه ذلك الشيء ليس الّا.
و أمّا قول أبي قرّة: «فيكذّب بالروايات» فإشارة الى استدلال آخر: لأنّه لما
[١] . البقرة: ٢١٠.
[٢] . النجم: ٢٣.