شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٩٢ - وجه عدم إمكان رؤيته تعالى
انقطعت حجّته تشبّث ثانيا بالروايات، فكأنّه قال: انّا لم نعرف الغرض من الآيات، فلعلّ لها محملا لا نعرفه، لكن الروايات مع كثرتها صريحة في ذلك فنأخذ بالروايات لأنّ تركها يؤدّي الى التكذيب بها خصوصا على قول من يقول: «كيف يجيء رجل الى الخلق جميعا فيخبرهم انّه جاء من عند اللّه و انّه يدعوهم الى اللّه بأمر اللّه و يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ مع آيات آخر، ثمّ يقول أنا رأيته بعينيّ [١] و أحطت به علما و هو على صورة البشر» فانّ هذا تكذيب صريح للروايات، و أجاب الإمام عليه السّلام هذا الكلام: بأنّ الروايات إذا كانت مخالفة للقرآن و لما أجمع عليه المسلمون من انّه لا يحاط به علم، و قد لزم ذلك على القول بالرؤية كما عرفت، و من انّه لا تدركه الأبصار، و ذلك صريح في مخالفة القول بالرؤية من انّه ليس كمثله شيء، و هذا أيضا يلزم من القول بالرؤية لما عرفت أيضا انّه يوجب أن يكون مثل الأشياء في تعلّق الرؤية به تعالى، و أن يكون محدودا بحدود مثلها، و غير ذلك، فإذا كانت كذلك كذبت بالروايات. و في هذا الكلام منه عليه السّلام إشارة لطيفة الى عدم تكذيبه عليه السّلام بالروايات الواردة في الرؤية، كما سيجيء من تأويلها بوجوه حسنة شريفة في الأخبار الآتية، لأنّه لم يقل «كذّبت بالروايات» و انّما قال: «اذا كانت مخالفة كذبت بها» فلعلّها لم يكن مخالفة، بل يكون لها معان دقيقة لم يكن السائل أهلها، أو لا تكون مصلحة في ذكرها، فتبصّر. و مع ذلك في هذا الخبر تصريح بأنّه يجب ترك الرواية بل التكذيب بها، إذا كانت مخالفة لمحكمات الكتاب و للمجمع عليه أهل الحق لا الإجماع المصطلح بين القوم، أو يخصّ الاجماع الذي يكذّب بالخبر لأجله [٢] بالإجماع الذي يعاضده البرهان العقلي. و إذا حمل قوله- عليه السّلام-: «ما أجمع عليه المسلمون» على انّه كلام برأسه في مقام الاستدلال فلا حاجة الى التخصيص و يكون المعنى: و أيضا الإجماع قائم على المعاني المفهومة من الآيات الثلاثة حيث اتّفقوا انّه لا يحيط به علم و لا تدركه
[١] . بعينيّ: بعينين د م ن.
[٢] . يكذب بالخبر لأجله: يكذب به بالخبر لأجله م ن در، يكذب بالخبر من أجله ب.