شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦١٩ - الفصل الثالث في سر التمثيل
الفصل الثّالث في سرّ التمثيل
[١] اعلم، انّ العالم عالمان: روحاني و جسماني؛ و إن شئت: حسّيّ و عقليّ، أو سفليّ و علوي، أو عالم الملك و الشّهادة؛ و عالم الغيب و الملكوت، و هذا العالم المرتفع عن الحس و الخيال إذا اعتبر جملة بحيث لا يخرج عنه شيء، و لا يدخل فيه ما هو غريب، سمّى حظيرة القدس، و ربّما سمّينا الروح البشري الذي هو محلّ لوائح القدس ب «الوادي المقدّس».
ثمّ هذه الحظيرة: فيها حظائر بعضها أشدّ إمعانا في معاني القدس، و لكن لفظ «الحظيرة» يقتضي أن يحيط بعض طبقاتها ببعض، فلا تظنّ انّ ما قلنا طامّات، بل هي معقولة عند أرباب البصائر.
و بالجملة، انّ عالم الشهادة مرقاة الى عالم الملكوت، و سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذه الترقّي و يعبّر عنه ب «الدين» و ب «منازل الهدى»، و لو لم يكن بينهما نسبة و اتصال لم يتصوّر الترقي من أحدهما الى الآخر، فجعلت الرحمة الإلهيّة عالم الشهادة على موازاة عالم الملكوت، فما من شيء في هذا العالم الّا و هو مثال لشيء من ذلك العالم و ربما كان شيء واحد مثالا لأشياء من الملكوت، و ربّما كان بالعكس؛ و انّما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة، و طابقه نحوا من المطابقة، و استقصاء ذلك يطول؛ فإذا كانت في عالم الملكوت جواهر نورانية يعبر عنها بالملائكة، و يفيض منها الأنوار على الأرواح البشرية فبالحريّ أن يكون مثالها في عالم الشهادة الشمس و القمر و الكواكب، و من ذلك ينتهي السالك أوّلا الى ما درجته درجة الكوكب فتبادر بقوله: هذا رَبِّي ثمّ إذا كشف عمّا فوق ذلك أعرض عن السوافل و العوالي فقال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
[١] . مشكاة الأنوار، ص ٦٥.