شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٧٠ - الحديث الثاني في تفسير قوله تعالى خلقت بيدي
العرب يجيء بهذه المعاني، و فرق ما بين المعنيين، لكنّ الخبر الثاني صريح في هذا التفسير، حيث قال- عليه السّلام-: أي بقدرتي و قوّتي. و تحقيق ذلك على ما عرفت آنفا في القواعد الكليّة انّ الأسماء الإلهيّة قد تنزّلت حسب تنزّل الحقائق، ف «اليد» عبارة عمّا يتأتّى به الشيء من فاعله، فالذات الإلهية مع انّها فاعلة بذاتها لكن تأتّي الفعل منها هي صفة القدرة فيصحّ من هذه الجهة إطلاق «اليد» بعين ما تتصحّح به صفة القدرة، فاليد في العالم الإلهي هي صفة القدرة، و في عالم الأسماء الإلهية هو الاسم «القادر» و في العالم العقلي هو «النور» المعبّر عنه بنور نبيّنا و وصيّه- صلوات اللّه عليهما و آلهما- و في العالم الربوبي و المرتبة النفسية هو الإنسان النوري المعبّر عنه بقول الأئمة الطاهرة: «نحن يد اللّه» المبسوطة على عباده بالرأفة و الرحمة؛ و في العالم الجسماني هي الطبيعة الفاعلة بإرادة اللّه و أمره؛ و في العالم الإنساني هو النبيّ و الوصيّ. و أمّا التعبير ب «اليدين» فلأنّ صفات اللّه على قسمين: أحدهما صفة الجمال المبسوطة بالرحمة و اللطف، و الآخر صفة الجلال المبسوطة بالقهر و الغضب، و منهما خلق الماء العذب و الأجاج و خلطا و مزجا، ثمّ خلق منهما الإنسان، و من ذلك خصّ آدم من بين الموجودات بخلق اليدين. ثمّ انّ المصنّف- رضي اللّه عنه- ذكر وجها آخر لتفسير الآية حيث قال بعد ذكر الخبرين بهذه العبارة.
قال مصنّف هذا الكتاب: سمعت بعض مشايخ الشيعة بنيسابور يذكر في هذه الآية انّ الأئمّة- عليهم السّلام- كانوا يقفون على قوله: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ ثمّ يبتدءون بقوله عزّ و جلّ: بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ قال: و هذا مثل قول القائل: «بسيفي تقاتلني و برمحي تطاعنني» كأنّه يقول عزّ و جلّ: «بنعمتي قويت على الاستكبار و العصيان»- انتهى.
أقول: على هذا يكون الاستفهام في قوله: «بيديّ» مقدّرا و يكون الهمزة في «استكبرت» ساقطة في الوصل على خلاف القراءة المشهورة كما لا يخفى.