شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٣٩ - و أما المقدمة ففي ذكر ما ينافي القول بالعدل
بالاختيار مطلقا؛ ثمّ اتفقوا و أجمعوا- أي المسلمون- على انّ القول بذلك من ضروريّات الدين، و انّ المنكر لها أو لبعضها خارج عن زمرة المسلمين؛ فبعد ذلك الاتّفاق و الإجماع تحزّبوا أحزابا و تفرّقوا أيدي سبا [١]، فأكثر الطوائف المتّسمين بالإسلام اكتفوا في الأربعة الاول بنفي الاسم و أثبتوا المسمّى، بناء على أصولهم، و قالوا بأفواههم ما ليس في قلوبهم، و هؤلاء كالأشعرية و أضرابهم، فانّهم و إن نفوا القول بالظلم و القبيح و غيرهما، لكنّه يلزمهم ذلك عند العقلاء، كما قد فرغ منه [٢] في الكتب الكلامية و غيرها.
و أمّا المقام الخامس [٣] و هو إجماع الملّيين بوجوب اتّصافه سبحانه بالاختيار، فزعم بعضهم انّ الثابت في ذلك من ضروريات الدّين هو المعنى المقابل للإيجاب الطبائعي [٤] أي ما يصحّ معه الفعل و الترك بالنظر الى الذات فقط، فيكفي عندهم في حقّية الشرائع كون أفعاله تعالى على وفق الداعي و طبق الحكمة و المصلحة و إن كانت لازمة له لا ينفكّ عنه، و طائفة لم يرضوا بذلك، بل اعتقدوا انّه مع ذلك يجب القول بالاختيار بالمعنى المقابل للإيجاب بمعنى امتناع الانفكاك أيضا، و هو ما يصحّ معه الفعل و الترك بالنظر الى الداعي في وقت و إن كان وقتا موهوما و لا ينافيه الوجوب السابق في وقت آخر، و انّما المنافي وجوب ذلك في جميع الأوقات، و ذلك لإطباق أصحاب الوحي على الإخبار بالانفكاك فكان ضروريّا لجميع الأديان، لكن تلك الطائفة لم يبالوا بإيجاب شيء عليه تعالى بالنظر الى الشرائط وجوبا سابقا، إذا لم يستدع المقارنة في جميع الأوقات لأنّه قد ثبت نفيها بإجماع الأنبياء.
و هاهنا شرذمة قليلون تفطّنوا بفطرتهم الصافية و عقيدتهم السليمة المرتاضة، اقتفاء لآثار أئمتهم الطاهرة- صلوات اللّه عليهم- بأنّ اللزوم و الوجوب السابق
[١] . أيدي سبا: أهدى سبا ب، أيدي صبا م: أيدي سبا: أي متفرّقين (قاموس).
[٢] . منه: عنه ب ن.
[٣] . أي انه تعالى لا يضطر في فعله.
[٤] . الطبائعي: الطبيعي د.