شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٥٩ - الحديث التاسع علمه تعالى سابق على الإيجاد
شرح: يشبه أن يكون المراد بالمكان في هذا الخبر ما أجاب به النبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- حين سئل: «أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق؟» قال: «كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء» [١] و «العماء» بالمهملة: الغيم الرقيق. و كلمة «ما» في الموضعين للنفي، و إلّا فلو كان المكان هو المعروف المشهور لما كان للتخصيص وجه. و على ما قلنا فالمراد به المرتبة الواحدية الّتي هي منشأ الصفات الذاتية من العلم و الحياة و القدرة و غيرها. و تلك الحضرة هي الواسطة بين سماء الأحدية و الإطلاق و بين أرض الكثرة و التقييد، كما انّ الغيم هو الحائل بين السماء و الأرض، فيكون حينئذ للسؤال وجه، و هو السؤال عن العلم بتلك الحضرة مع كونها حضرة العلم كما سبق؛ فأجاب الإمام- عليه السّلام- بأنّه لم يزل عالما بالمكان الذي هو حضرة العلم قبل تكوينه بنفس ذاته سبحانه، كما يعلمها بعد كونها، كما عرفت من الكمال الذاتي. و يظهر من قوله- عليه السّلام- بطلان القول بأنّ علمه بالجزئيات على غير نحو علمه بالكليات، و ذلك لأنّ علمه إذا كان بجميع الأشياء كعلمه بالمكان و المكان حقيقة جزئية، فيجب أن يكون علمه بالأشياء الكلية و الجزئية كعلمه بالأمر الجزئي. و البرهان الإجمالي المختصر على ذلك انّه لو كان علمه بالجزئي غير علمه بالكلي و العلم ذاته كما سيجيء، لكان يلزم التفاوت في ذاته، و يلزم الاختلاف في نسبته الى الأشياء، و هو أيضا يستلزم الاختلاف في الذات، و هو سبحانه لم يتفاوت في ذاته، و لا يختلف فيها و لا في الصفات، فتبصّر. ثمّ ان المصنّف- رضي اللّه عنه- ذكر دليل الإحكام و الاتقان المشهور بين الحكماء و المتكلّمين على ثبوت العلم بهذه العبارة:
قال مصنّف الكتاب: من الدليل على انّ اللّه تبارك و تعالى عالم انّ الأفعال المختلفة التقدير، المتضادّة التدبير، المتفاوتة الصنعة، لا تقع على ما ينبغي أن يكون عليه من الحكمة ممّن لا يعلمها، و لا يستمرّ على منهاج منتظم ممّن يجهلها، ألا ترى انّه لا يصوغ قرطا بحكم
[١] . سنن ابن ماجة، ج ٥، ص ٢٨٨، حديث ٣١٠٩.