شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٥٧ - الجواب عن الشكوك الخمسة
الأشياء الّا ما يجب عليها؛ و أمّا في العباد بالقياس الى أفعالها فغير مسلّم، و ذلك لأنّه لا يخلو: إمّا أن لا يجعل الاختيار و التكوين من العباد من أجزاء العلّة التامّة فحينئذ لا امتناع في التخلّف اتّفاقا منّا و من الخصم، و إمّا أن يجعل من أجزاء العلّة التامّة فبعد تسليم الوجوب لا يفيد الوجوب السابق لأنّه لا ريب انّ هذا وجوب لاحق، لأنّه وجوب متسبّب عن الإيجاد و التكوين، و من المستحيل تقدّم الإيجاد على الموجودية لكونه مبطلا للتضايف، على انّه لا معنى لجعل التكوين من أجزاء العلّة كما يظهر لمتتبّع مقامات كلماتهم، كما يقولون: اذا اجتمعت الامور الّتي تتمّ بها العلّيّة و صارت العلّة تامّة وجب الإيجاد و امتنع الترك كما وجب وجود المعلول و امتنع التخلف. و يسمّون وجوب الإيجاد الوجوب على اللّه، تعالى اللّه عن ذلك.
و هذا صريح في انّ الإيجاد و التكوين ليسا من أجزاء العلّة التامّة. و إذا ثبت انّهما ليسا من الأجزاء، فلنا أن نمنع لزوم الترجيح بلا مرجّح و انّما ذلك إذا لم يكن هناك فاعل مختار و له أن يرجّح أحد مقدوريه المتساويين في الدّاعي بمحض الاختيار و الّا لم يكن مختار حقيقة، و عند الاختيار لا يلزم الوجوب لما قد عرفت من عدم وجوب الاختيار بسبب شيء و عدم وجوب شيء بالاختيار و للّه الفضل مبدئا و معيدا.
و الجواب عن التقرير الثّاني لتلك الشبهة الّتي ذكرها الشيخ الرئيس في الشفاء [١] بمنع قوله: «إن لم يكن واجبا كان ممكنا» لأنّه، إن أراد بالوجوب ما هو من العلّة فالملازمة ممنوعة، لأنّه من الجائز أن يكون الوجوب ثابتا لكن لا من العلّة بل من المعلول بمعنى وجوب استحقاقية الوجود و ضرورة استيفاق الدخول في مرتبة الشهود بمحض الطلب الجبليّ و الاقتضاء الذّاتي؛ و إن أراد بالوجوب ما هو أعم فحينئذ بمنع السبق بالذات، بل سبيل تلك الضرورة سبيل الإمكان بمعنى أنّا نحكم على الشيء الموجود من العلّة حيث لا يتوقّف وجوده على شيء سوى اختيار الفاعل و إفاضته للوجود، بأنّه وجب له الوجود حسب استحقاقه و اضطراره إليه،
[١] . الإلهيات، المقالة ١، الفصل ٦، ص ٣٩.