شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٦٩ - شرح كلام الصدوق(ره) في باب سؤال موسى(ع) رؤيته تعالى
عادلا عمّا حملني عليه قومي من سؤالك الرؤية. و لم يكن هذه التوبة من ذنب لأنّ الأنبياء لا يذنبون ذنبا صغيرا و لا كبيرا، و لم يكن الاستيذان قبل السؤال بواجب عليه، لكنّه كان أدبا يستعمله و يأخذ به نفسه متى أراد أن يسأله؛ على انّه قد روى قوم انّه استأذن في ذلك، فأذن له ليعلم قومه بذلك انّ الرؤية لا تجوز على اللّه عزّ و جلّ. و قوله: «أنا أوّل المؤمنين» يقول: و أنا أوّل المؤمنين من القوم الذين كانوا معه و سألوه أن يسأل ربّه أن يريه ينظر إليه بأنّك لا ترى.
شرح: لمّا كان الذنب غير جائز الصدور عن الأنبياء ذكر في وجه التوبة وجوها:
أحدها، انّ التوبة لغة هو الرجوع، و المعنى انّي عدت الى المعرفة السابقة بأنّك لا ترى؛
و ثانيها، انّها بمعنى العدول أي عدلت عمّا حملني عليه قومي من طلب الرؤية؛
و ثالثها، انّ الأولى أن يستأذن ربّه في ذلك السؤال و لم يكن واجبا عليه، بل هو أدب، فلمّا لم يستأذن تاب عنه، ثمّ أضرب عن هذا الوجه بذكر رواية في وقوع الاستئذان كما يظهر من الخبر الآتي أيضا.
متن المصنّف: و الأخبار التي رويت في هذا المعنى و أخرجها مشايخنا- رضي اللّه عنهم- في مصنّفاتهم، عندي صحيحة، و انّما تركت إيرادها في هذا الباب خشية أن يقرأها جاهل بمعانيها فيكذّب بها، فيكفر باللّه عزّ و جلّ و هو لا يدري؛ و الأخبار التي ذكرها أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره، و التي أوردها محمّد بن أحمد بن يحيى في جامعه في معنى الرؤية صحيحة لا يردّها إلّا مكذّب أو جاهل به، و ألفاظها ألفاظ القرآن و لكلّ خبر منها معنى ينفي التشبيه و التعطيل، و يثبت التوحيد، و قد أمرنا الأئمّة أن لا نكلّم الناس إلّا على قدر عقولهم. و معنى الرؤية الواقعة في الأخبار العلم، و ذلك لأنّ الدنيا دار شكوك و ارتياب و خطرات، و إذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات اللّه و اموره في ثوابه و عقابه ما يزول به