شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٣٤ - تنبيهات عرفانية
تنبيهات عرفانيّة
و نقول بلسان أهل العرفان لمن يعدّ من الإنسان: كيف يدّعي عاقل معرفة الحق و سلطانه بمحض العقل و برهانه و لم يعرف ان لكلّ ملك الى رعاياه و عبيده حجّاب و سفراء و لا ينبغي سوى هذا، سيّما في ملك الملوك الذي لا يمكن أن يشاهد بالبصر و لا أن يعلم إلّا بالخبر، لا الخبر الذي من عندنا، بل الخبر الذي من عنده، و هو أيضا بالإقرار لا بالإحاطة، و ذلك لأنّ العقل لا خبر عنده عن اللّه تعالى، إذ لا حكم له عليه أصلا، لأنّ منتهى إدراكات العقل للأشياء هو إثبات المحمولات الذاتية لموضوعاتها و ليس للمبدإ الأوّل محمول مطلقا على ما يثبت بالبراهين التي ليس هاهنا موضع ذكرها، و إن كنّا قد أومأنا على شطر منها في بعض ما سطرنا سابقا، فلا بدّ أن يكون الإخبار عنه بإخبار من عنده، و ذلك لمن اختاره اللّه للإخبار، و يكون طور ذلك المصطفى المختار فوق هذه الأطوار و ما عند اللّه خير للأبرار.
ثمّ نقول على مذاق أرباب العيان: كيف يدّعي سالك معرفة اللّه بالرياضة و الاجتهاد و أمثال ذلك من طرق أهل العناد و لم يعرف انّ معرفة اللّه [١] بذاته خارجة عن طوق البشر و لا خبر عنه و لا أثر بل «الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم» [٢] و ليس الأمر يا معشر أهل السلوك كما ظننتم، بل معرفته معرفة آثاره، لأنّها مظاهر أنواره، فهلّا يعرف هذا المدّعي انّ الثواني مظاهر أنوار المبادي و إنّ كلّ ما في سلسلة الأنوار فممّا يجب ظهوره في تلك الأدوار و هذه الأكوار و انّ الأنوار: منها رؤساء، و منها خوادم و أعوان، و لا ريب انّ الرؤساء وسائط الأنوار و سفراء الملك الغفّار الى الخدّام و الأعوان، فيجب في مظاهرها من تلك الرئاسة و السفارة طبق القذّة بالقذّة، كما يجب في الأعوان و الرعايا الإجابة و الطاعة، و ذلك من سنّة اللّه التي
[١] . معرفة اللّه: معرفته د.
[٢] . قسم من حديث «ان اللّه احتجب عن العقول ...» لم أعثر عليه في الجوامع الروائي رغم تتبعي الكثير. ينقله الغزالي في الإحياء و ابن عربي كثيرا (الفتوحات، ج ١، ٩٥).