شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٠٦ - الحديث الرابع في معنى التوحيد
و قد يراد به المعنى و المقصود من إطلاق «الواحد» على اللّه سبحانه. و لعلّ المراد به في هذا الخبر هو المعنى الثّاني. و لمّا كانت الحصّة الأولى من السّورة المباركة لبيان الأحديّة الذاتيّة، و الحصّة الأخيرة لبيان الواحديّة الصفاتيّة لأنّ نفي الوالد و الولد و سلب الشّريك المطلق هو معنى «الواحد». و هذا الخبر ورد لبيان «الواحد» المشتمل عليه الجزء الأخير من السّورة الشريفة، ذكر المصنّف- رحمه اللّه- في هذا الباب: فقوله عليه السّلام: «انّ اللّه» خبره قوله «واحد». و قوله «توحّد» بيان لمعنى «الواحد» و خبر بعد خبر، أو صفة. و قوله «تباركت» الى قوله: «في علوّ كنهه» جملتان معترضتان للمدح، إشارة الى انّ صفاته كلّها و من جملتها وحدته جلّ و علا، تقدّست عن أن تشارك تلك الصّفات سائر صفات الخلق في معانيها، أو تماثل وحدته عزّ شأنه أنحاء الوحدات في مبانيها. فالمدح الأوّل لتقدّس أسمائه و صفاته كلّها عن المشاركة و المشابهة و الموافقة بوجه سوى اللّفظ، و المدح الثاني لتنزّه وحدته الذّاتيّة عن الاشتراك و المماثلة و المجانسة بوجه عدا الاسم. و تلزم [١] تلك الدّلالة أن يكون الأوّل إشارة الى توحيد الصّفات بمعنى أنّ أسماءه و صفاته عزّ شأنه متعالية من أن تتكثّر بوجه، و من أن يتّصف هو بها بالمعنى الّذي يوجد في الخلق؛ و الثّاني إشارة الى توحيد الذات بمعنى انّ ذاته المقدّسة لأجل كونه في أعلى درجات الغيب و الاختفاء، تعالى من أن يكتنهه العقول، أو يتيسّر عليها الاطّلاع و الوصول. و لا يبعد أن تكون كلمة «في» في قوله: «في علوّ كهنه» للسّببيّة كما في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «انّ امرأة دخلت النّار في هرّة» [٢] و حاصل المعنى: انّ اللّه الّذي هو متعالي الصّفات و الذّات عن الشريك و الأنداد، واحد وحدة لا يشاركه فيها غيره. و قوله: «ثمّ أجراه على خلقه» صريح في انّ وحدة الخلق انّما هي ظلّ لوحدته سبحانه، كما هو شأن سائر الصّفات، و في انّ الوحدانيّة الّتي في الخلق
[١] . تلزم:+ من م د ن ب.
[٢] . سنن ابن ماجة، ج ٢ (كتاب الزهد، حديث ٤٢٥٦) ص ١٤٢١.