شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٧٤ - الباب السادس عشر باب تفسير قول الله عز و جل نسوا الله فنسيهم لا يمكن معرفته تعالى إلا به
جهة «نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء» و من حيث قبولها عن اللّه و الأخذ منه تعالى من غير أن يقوم عليها دليل و لا برهان، و لذا اشتهر بين أهل المعرفة انّه طور وراء طور العقل، و من البيّن انّه ليس وراء العقل طور، بل معناه انّه ليس فيه تعمّل العقول لأنّ إدراكات العقول لها طرق معلومة مضبوطة و هذا القسم ليس من تلك الطرق؛ فتدبّر.
انتقاد إذا دريت هذا الذي قلنا رقيت مرقاة أهل الهدى و تيقّنت انّ الإنسان انّما انحصرت مداركه فيما تعطيه ذاته ممّا له فيه كسب، و لا يدرك شيئا إلّا و في الإنسان منه سنخ، و لا يعرف إلّا ما يشاكله و يناسبه، و الباري جلّ مجده لا في شيء و لا يشبه شيئا و ليس منه سبحانه في أحد شيء أو سنخ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا! فلا يعرفه أحد من نفسه و فكره و عقله، و ما بقى للإنسان إلّا تهيّؤه لقبول ما يهبه اللّه تعالى من معرفته، و قد صحّ الخبر عن رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: «انّ اللّه احتجب عن الأبصار و انّ الملاء الأعلى يطلبونه كما تطلبونه انتم» [١]- الخبر. فمن طلب اللّه تعالى بعقله من طريق فكره و نظره فهو حائر بائر [٢]، و عن قصد السبيل جائر، فلا علم و لا معرفة لأحد باللّه تعالى إلّا بإعطاء منه سبحانه و إخبار من لدنه، فالطالب للسلامة يترك الآيات و الأخبار الموهمة للتشبيه على ما جاءت به من غير عدول منه الى شيء و يكل علم ذلك الى اللّه تعالى و الى رسوله، و قد نفى اللّه سبحانه التشبيه عن نفسه رأسا حيث قال عزّ من قائل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و الدليل العقلي قائم على ذلك؛ فما بقي إلّا انّ لتلك الآية و ذلك الخبر وجوها من التنزيه يعرفه اللّه تعالى، و نحن نعتقد ذلك على سبيل الإقرار المحض من دون تصرّف فيه بعقولنا، و إن كان قد وجد في صحفنا، سيّما في هذه الصحيفة بعض
[١] . الفتوحات، ج ١، ص ٩٥.
[٢] . البائر بالمرصدة و الهمزة ثالثا: اتباع الحائر. منه.