شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٨١٣ - الحديث الأول في روحه تعالى
الحديث الأوّل [في روحه تعالى]
بإسناده عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [١] قال: روح اختاره اللّه و اصطفاه و خلقه و أضافه الى نفسه، و فضّله على جميع الأرواح، فأمر فنفخ منه في آدم.
شرح: هذا الخبر لبيان صحّة النسبة، اعلم انّ الأرواح ما هي متعلقة النشأة بالملإ الأعلى و لم يتجاوز عن ذلك أصلا و لم يكن في طباعهم سير أطوار الوجود و لا في وسع فطرتهم إلّا القيام أو الركوع أو السجود، فما منهم إلّا له مقام معلوم، فلو تقدم واحد منهم احترق بنور الشهود، و لو تأخّر وقع في مهواة عصيان المعبود.
و هذه الطبقة أصناف لا تحصى وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [٢] و من الأرواح من في جبلّته التطور بأطوار الوجود نزولا و سير أنوار الشهود صعودا بأن تكتسي كسوة بعد أخرى، ثمّ يرفض جلبابا بعد كساء الى أن تتّصل بالأنوار العلى و تنخرط في زمرة القديسين في الغاية القصوى، و هذه هي الحرية بالاصطفاء و الحقيقة بالارتضاء اللائقة بأن تنسب الى المبدأ الأعلى لمضاهاتها في سير أطوار الخلقة و تطوّرها نشأة بعد نشأة، و لكونها في هذه التقلّبات و التطورات تصير قابلة للاطّلاع بجميع علوم الأنوار المستكنّة في واحد من الأطوار، و مستعدة للإحاطة بقاطبة الأسرار الإلهية المطويّة في الحقائق الوجودية. و هذا الجوهر الشريف ليس إلّا النفس الكلية الناطقة الإلهية لكونها مظهر الأنوار الجمالية و الجلالية، لما في جبلته من سير العوالم النزولية و الصعود الى المدارج الصعودية، فصار بتلك
[١] . الحجر: ٢٩.
[٢] . المدّثر: ٣١.