شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٨١ - إشارة الى انه تعالى لا من شيء و لا في شيء و لا على شيء و كلام في أنحاء الإيجاد
و أين يكفى ذلك؟ و النّفس تستكمل بالعلم و تصير قويّة ذات بسطة حتى كأنّها في نفسها عالم بسمائه و أرضه و أفلاكه و كواكبه و جنّاته [١] و سائر الامور الّتي في الأرض و السماء. و لا ريب انّ ذلك لا يتحقّق بالأمر الخارج عن ذاتها المباين لها.
فظهر انّ حصول العلم ليس بهذه الطّرق بل هو بخروج النّفس من ذاتها و وصولها الى ظواهر الأشياء في الإدراك الإحساسي، و الى بواطنها في الإدراك العقلي. و سرّ ذلك ما قد عرفت من انّ الأشياء العقليّة انّما هي في النّفس بمعنى اشتمالها على حقائقها اشتمالًا جمليا علّيّا، و انّ الامور المحسوسة انّما هي آثار تلك الحقائق المندرجة في النفس، فبالحقيقة ليست النفس مدركة لأمر خارج عنها مباين لها، بل لا يمكن ذلك في تحقّق الإدراك، فهي انّما تدرك المعقول برجوعها الى باطنها الذي هو نفس ذاتها و تدرك المحسوس بتوجّهها الى ظاهر نفسها الّذي هو آثارها، و قد علمت انّ الظاهر انّما هو شبح ما في الباطن، فهي لا تدرك غير ذاتها.
و ظهر من ذلك وجه صحّة القول باتّحاد العاقل و المعقول بل باتّحاد الحاسّ و المحسوس، فلا تغفل.
[إشارة الى انّه تعالى لا من شيء و لا في شيء و لا على شيء و كلام في أنحاء الإيجاد]
بل [٢] هو اللّه الصّمد الذي لا من شيء، و لا على شيء، مبدع الأشياء، و خالقها، و منشئ الأشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيّته، و يبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم اللّه الذي «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ» عالم الغيب و الشّهادة، الكبير المتعال، «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ».
لمّا ظهر ممّا سبق انّه ليس له سبحانه علة فاعليّة بمعنى ما منه نفس حقيقة
[١] . جناته: حسابه م ن د ب ر.
[٢] . بل: لا بل (التوحيد، ص ٩١).