شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٧٤ - تذنيب في ذكر شبه فخر الدين الرازي و أجوبتها
بالجمع بين المتنافيين. ثمّ قال: و القول بتكليف ما لا يطاق لازم عليكم في مسألة العلم يا أرباب الاعتزال، كما انّه لازم علينا في مسألة خلق الأفعال، و لو انّ جملة العقلاء اجتمعوا و ارادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفا لما قدروا عليه الّا أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم و هو انّ اللّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود و لا بالعدم.
الشبهة الثانية: انّ اللّه تعالى قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [١] فاولئك الذين أخبر اللّه عنهم بهذا الخبر، لو آمنوا لانقلب هذا الخبر كذبا، و الكذب محال على اللّه، و المفضي الى المحال محال، فكان صدور الإيمان محالا مع ان اللّه يأمرهم بالإيمان.
الشبهة الثالثة: انّه تعالى كلّف «أبا لهب» بأن يؤمن و من جملة الإيمان تصديق اللّه فيما أخبر عنه، و ممّا أخبر عنه انّ أبا لهب لا يؤمن، فقد صار ابو لهب مكلّفا بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن، و هذا تكليف بالجمع بين النقيضين.
و الجواب على ما قاله بعض الأفاضل عن الأوّل: بأنّه «إن أراد بالتنافي أن يكون رفع [٢] كل منهما من أجزاء العلّة التامة للآخر فالدليل لا يدلّ عليه، لأنّا لا نسلّم انّ انتفاء الإيمان و تحقّق الإيمان متنافيان بهذا المعنى، و لو سلّم فلا نسلّم انه يستلزم أن يكون العلم بانتفاء الإيمان منافيا لتحقّق الإيمان بهذا المعنى، و إن أراد أعمّ من ذلك بطل قوله: «فكما انّ الأمر بالجمع» الى آخره، لأنّه إن أراد بالجمع بين المتنافيين الأمر بكلّ منهما، فليس المشبّه كالمشبّه به، و إن أراد أعمّ من ذلك فتحقّق الإيمان ليس ممّا لا يطاق، لأنّه ليس ممتنعا بالذات و لا ممتنعا لفقد شيء من علته التامة، و الامتناع باعتبار آخر لا ينافي القدرة و لا الاستقلال بالقدرة، و الّا يلزم أن لا يكون اللّه سبحانه قادرا بالاستقلال، لكونه تعالى عالما بأفعاله و تروكه؛
[١] . البقرة: ٦.
[٢] . رفع: دفع د.