شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥١٢ - الحديث التاسع عشر في المشية
و الترتّبات أشير في خبر آخر حيث قال: «فبعلمه كانت المشيّة و بمشيّته كانت الإرادة» و من ذلك ظهر حقيقة ثلاث خصال من الخصال السبع؛ و سيأتيك تحقيق البواقي في مواضعها إن شاء اللّه. و لتعلم أخي انّ هذا الطريق في تحقيق هذه الأخبار و تطبيق الحقائق الموجودة على الخصال السبع الواردة في الآثار [١] ممّا خصّه اللّه به ذلك المسكين، و ما هو على الغيب بضنين! و عليك بالتأمّل الصادق بعد رفض جلباب العصبيّة و نقض [٢] رسوم المخاصمات الفلسفية و الكلامية. ثمّ من اللّه التأييد و التقويم و هو يهدي الى الصراط المستقيم.
ثمّ انّه قد سبق منّي في هامش هذا الكتاب في شرح ذلك الخبر على طريقة أهل الظاهر من أرباب المعقول بهذه العبارة: لمّا كان المقرّر عندهم- عليهم السّلام- و عند أصحابهم المقتفين لآثارهم انّ المشيّة محدثة لإنّها نفس الإيجاد و الإحداث.
و عند ذلك ترد شبهة هي انّ كلّ حادث لا بدّ له من محدث، و إحداث ذلك الحادث، يتوقّف على المشيّة فإذا كانت المشية حادثة فهي مسبوقة بمشية أخرى حادثة و هكذا يتسلسل.
أجاب الإمام- عليه السّلام- عن هذه الشبهة بقوله: «خلق اللّه المشية بنفسها» يعني انّ المشيّة بمعنى الإيجاد و الإحداث أمر مصدري- كما أشير إليه في الخبر السابق: انّ «المريد لا يكون إلّا لمراد معه» و هكذا حكم المشيّة- و الأمر المصدري لا يستدعي جعلا برأسه، لأنّه لا يمكن أن يكون المراد بها النسبة المتحقّقة بين الجاعل و المجعول، إذ النسبة متأخّرة عن الطرفين. و ذلك ينافي قوله- عليه السّلام-:
«خلق الأشياء بالمشيّة» فتعيّن أن تكون المشية عبارة عن كون الفاعل مؤثّرا و مصدرا لست أقول كونه بحيث يؤثّر و يصدر عنه الشيء بل بحيث يكون الفعل صادرا عنه و هو في [٣] التأثير، كما يقولون في مقولتي الفعل و الانفعال، و إن لم يكن
[١] . الكافي، ج ١ ص ١٤٩.
[٢] . نقض: نقض د.
[٣] . في: و.