شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٩٥ - الموقف الأول في الجواب عن شبهة العلم الأزلي
و من أعظم الشبهة [١]، بل أظنّهم لم يتيسّر لهم الفصية و إن زعموا انّهم، من ذلك في سعة، لكنّها عند أهل المعرفة في كمال السخافة و غاية المهانة، و ذلك لأنّ أرباب النظر و إن صرّحوا في كتبهم انّ الأزل ليس ظرفا آخر مقابلا للزمان ينتهي منتهاه الى أفق الزمان، لكنّهم في أكثر مقالاتهم يغلطون و يتوهّمون كذلك، و كذا إذا اتّفق المناظرة معهم تراهم يأخذونه ظرفا مقدّما على الزمان، و لا يمكنهم التخلّص عن ذلك في البيان، و أمّا أهل المعرفة و الإيقان و أرباب العقل و البرهان فلمّا تجرّدت أفكارهم عن أضغاث الأحلام و خلصت عقولهم عن مشاركة الأوهام لم تتزعزع أصولهم عن هبوب تلك العواصف، و لم تضطرب عقولهم عن سماع هذه الزخارف فعرفوا حقيقة الأزل و معنى كون الشيء لم يزل، و علموا انّ الأزليّات كيف يكون علومهم بالأمور التي تحت الزمان، و انّه على أيّ وجه كان.
فنقول هاهنا على وجه الإجمال و إن كان قد قرع سمعك فيما سبق من المقال:
فاعلم انّ الأزل عبارة عن كون الشيء غير متعلّق الوجود بالمادة و المدّة، و هذا سلب محض لا يستدعي وجود ظرف كما انّ نسبة الشيء الى الزمان يستدعي ذلك، فلو ورد في حديث أو خبر أو في كلام عظماء أهل النظر قول السبق و التقدم في الأزل فذلك بالمجاز و بالعرض من الشيء الأزلي، و هكذا حال جميع صفات الأزلي، فانّها ممّا يتّصف بالأزلية و التقدم و السبق و أمثال ذلك بتبعية الموصوف [٢] بها و بالعرض منها. و هذا تحقيق شريف و سرّ لطيف لم أجد أحدا تفطّن به. و إذا دريت ذلك فتح لك سرّ أبواب مغلقة عسى أن لا يحتمله أكثر العقول السليمة، من ذلك: أن تتيقّن بأنّ العلم لا يوصف بالأزلية بالذات و الحقيقة، و لا بالتقدم و التأخر بالأصالة، نعم هاهنا مقام آخر يصحّ اتّصاف الأوصاف فيه بالتقدّم و التأخّر و لكن بحسب الرتبة العقلية و الشرافة الذاتية، و ذلك إذا قيس بعض الصفات أي الخصال المرتبة على الفعل الى بعض و هو أمر لا دخل له فيما نحن فيه، كما لا يخفى على النبيه،
[١] . الشبهة (جميع النسخ): و الأصحّ: الشّبه.
[٢] . الموصوف: الموصفة د.