شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٢٣ - الفصل الرابع في بيان مراتب الأرواح البشرية و بمعرفتها يعرف أمثلة القرآن
و عقول الكفّار منتكسة، و كذا إدراكاتهم، فمثلهم كرجل فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ [١] فالبحر اللّجيّ هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة و الأشغال المردية، و الموج الأوّل موج الشهوات الداعية الى الصفات البهيميّة و الاشتغال باللّذات الحسيّة، فيأكلون و يتمتعون كما يأكل الأنعام، و بالحريّ أن يكون هذا الموج مظلما لأنّ «حبّ الشيء يعمي و يصمّ»، و الموج موج الصفات السبعية الباعثة على العداوة و البغضاء و التفاخر و التكاثر، و بالحريّ أن يكون مظلما لأنّ الغضب غول العقل، و ينبغي أن يكون هو الموج الأعلى لأنّ الغضب في الأكثر يستولي على الشهوات، حتّى إذا هاج أذهل عن الشهوات. و أمّا السّحاب فهو الاعتقادات الخبيثة و الآراء الفاسدة التي صارت حجابا بين المرء و إيمانه و معرفة الحق و الاستضاءة بنور شمس القرآن و العقل، فانّ من خاصية السحاب أن يحجب عن إشراق الشمس. و اذا كانت مظلمة فبالحريّ أن يكون ظلمات بعضها فوق بعض؛ و لمّا كانت هذه الظلمات يحجب عن معرفة أحوال النبيّ الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة و لذلك حجب الكفّار عن معرفة أحوال النبيّ- صلّى اللّه عليه و آله- مع قرب متناوله و ظهوره بأدنى تأمّل، فبالحريّ أن يعبّر عنه بأنّه لو أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها. و إذا كان منبع الأنوار كلّها من النور الأوّل الحق كما سبق، فبالحريّ أن يعتقد كل موحّد أنّ وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ! انتهى ما رمنا تلخيصه من رسالة مشكاة الأنوار للعلّامة الغزالي و لعمر الحبيب انّه قد بلغ الغاية القصوى من ذوق أمثاله، فجزاه اللّه عن زمرة أهل العلم بما يليق بأحواله و الحمد للّه أوّلا و آخرا.
و للاستاذ القمقام صدر المتألّهين [٢] رسالة شريفة في تفسير الآية الكريمة أبدع فيها من إبراز اللّطائف و أظهر أنوارا من المعارف، رأينا تلخيصه من سوء الأدب
[١] . النور: ٤٠.
[٢] . تفسير آية النور، طبع حجريّا سنة ١٣٢٢ ه، و أخيرا صحّحه محمد الخواجوي و طبعه طبع مؤسسة نشر مولى، طهران ١٤٠٣ ه.