شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٢٢ - الفصل الرابع في بيان مراتب الأرواح البشرية و بمعرفتها يعرف أمثلة القرآن
يصير موازيا للمعاني العقلية مؤدّيا لأنوارها، و هو المحتاج إليه في بداية الأمر ليضبط به المعارف العقلية و لا ينتشر انتشار الخروج عن حدّ الضبط. و هذه الخواص الثلاثة لا توجد في عالم الشهادة بالإضافة الى الأنوار المبصرة الّا للزّجاجة، فانّها من جوهر كثيف أرضي لكن صفي و رقّ حتّى صار لا يحجب النور، بل يؤدّيه و يحفظه عن الانطفاء، و أمّا «الروح العقليّ» فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح بعد ما بيّنّا كون الأنبياء سرجا؛ و أمّا «الروح الفكريّ» فمن خاصيته انّه يبتدئ من أصل واحد، فينشعب منه شعبتان، ثمّ كلّ شعبة شعبتان، و هكذا، فيفضي الأمر الى نتائج هي ثمراتها، فبالحريّ أن يكون مثاله من هذا العالم «الشجرة»، و لمّا كانت الثمرة مادّة لتضاعف المعارف و ثباتها فينبغي أن لا يمثّل لشجرة السّفرجل و الرّمان و غيرهما، بل ينبغي أن يمثّل بشجرة الزيت، لأنّ لب ثمرها هو الزيت الذي مادة المصابيح، و يختص من سائر الأدهان بمزيد الإشراق مع قلّة الدخان. و لمّا كان كلّ ما كثر نفعها فهو مبارك فذلك الروح أولى بأن يسمّى «شجرة مباركة» و لمّا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة خارجة عن الجهات و القرب و البعد فبالحريّ أن يكون لا شرقيّة و لا غربيّة؛ و أمّا الروح القدسي المنسوب الى الأنبياء و الأولياء، فمن ذلك ما يحتاج الى تعليم و تنبيه و مدد من خارج، و منهم من يتنبّه بنفسه من غير مدد، فبالحريّ أن يعبّر عن الصافي البالغ الاستعداد بأنّه يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار، لأنّ في الأولياء من يكاد يشرق نوره حتّى يكاد يستغني عن مدد الأنبياء، و كذا في الأنبياء من يكاد يستغني عن مدد الملائكة، فهذا المثال موافق لهذا القسم؛ و إذا كانت هذه الأنوار مترتّبة فالحسّي هو الأوّل هو كالتوطئة للخيالى، إذ لا يتصوّر الخيال الّا موضوعا بعده، و الفكري و العقلي يكونان بعدهما، فبالحري أن تكون الزجاجة كالمحلّ للمصباح، و المشكاة كالمحلّ للزجاجة، فيكون المصباح في زجاجة، و الزجاجة في مشكاة، و إذا كانت كلّها أنوارا بعضها فوق بعض، فبالحريّ أن يكون نورا على نور.
خاتمة: هذا المثال انّما يصح لقلوب الأنبياء و الأولياء و المؤمنين، لا لقلوب الكفار، فانّ النور يراد للهداية، فالمصروف عن طريق الهدى في البطلان و الضلالة،