شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٣٤ - كلام في تأويل الطيور الأربعة التي أمر إبراهيم(ع) بقتلها
و اقتبست من طور أعلام التّقى هو انّ هذه الأربعة هي انّ هذه الأربعة هي أصول المهلكات المانعة عن جوار اللّه و لقائه، و بإماتتها و إفنائها يتحقّق اليقين و يفيض النفس المطمئنّة و يصير العبد بذلك من الكاملين الأكابر، و القاعدين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، حيث ينادى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً:
فالشهوة، عبارة عن اللذات الحسية التي تصل الى الإنسان من جهة الحواسّ؛ و الحرص، هو ميلان النفس الى حصولها و توقان الطبع الى الوصول إليها و هي مرتبة النفس الأمّارة؛ و طول الأمل هو رسوخ هذه الأصول في أرض القلب و ملكة حبّ الدنيا و الشهوات الفانية فيها و إن لم يصل إليها و هي مرتبة اللّوّامة، و زينة الدنيا هي اللذات العقلية و الإدراكات النظرية؛ و أمّا الجبال فهي القوى الحسية الخمسة الظاهرة و القوى الروحانية التي هي: الخيال و الذكر و الفكر و القلب و العقل و عند بعض: هي الخيال و الفكر و الحفظ و التصوير و العقل، و في المشهور: الحس المشترك و الخيال و المفكّرة و الواهمة و الحافظة، و ما قلناه أحكم و أنسب.
و قتل الطيور الأربعة و تقطيعها عبارة عن صرف وجوهها عمّا يطلبه من زهرة الحياة الدنيا و لذّاتها و شهواتها و بالجملة ما يصرفها عن مولاها و يمنعها عن كونها للّه تعالى؛
فإماتة ديك الشهوة انّما هي بضبط الحواس عن مشتهياتها و تعطيلها عن مدركاتها و منعها عن التوصّل الى مستلذاتها؛
و قتل بطّ الحرص أو حمامة- و كلاهما مثل في الحرص لكن في البطّ أشدّ- انّما هو بذلك التعطيل و الضبط مع منع النفس عن الميل و الشوق الى حصولها و الركون الى هواها؛
و قتل نسر طول الأمل، و بعبارة اخرى غرابه، إذ كلاهما مشهور بطول العمر، مع انّ الغراب إشارة الى البعد عن الحق كما انّ صاحب طول الأمل بعيد عنه لأنّ الغراب قد اشتهر في البين و البعد، فقتله انّما هو بهذين الأمرين مع قلع أصولها عن مادة القلب و قطع شجرتها الخبيثة عن فضاء الصدر لكن مع بقاء العقل و التمييز؛