شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٤٧ - فصل في شرح قسم آخر من الحديث
منها الى كلّ واحد منهم- عليهم السّلام- و قد ورد أيضا انّهم لمّا خلقوا سبّحوا اللّه و مجّدوه، فسبّحت الملائكة بتسبيحهم و مجّدت بتمجيدهم، و كذلك الأنبياء و الأولياء و كذا ورد انّ الأنبياء و الأولياء استفادوا المعرفة و العبادة عنهم- عليهم السّلام- فهم معلّمو الملائكة و النّبيّين و الأولياء و الصالحين و سائر الخلق أجمعين؛ فصحّ من ذلك انّه لولاهم ما عبد اللّه.
الوجه الثالث: من المقرّر انّ العبوديّة في اصطلاح الأئمّة- عليهم السّلام- هي كما قال الصادق- عليه السّلام-: «العبودية جوهرة كنهها الربوبية» [١] و قد دريت آنفا انّ العبودية التامّة التي يصحّ أن يقال فيها ذلك تقتضي الافتقار التّام و اللاشيئيّة الكاملة حتّى يتأتّى له أن يكون كمرآة مجلوّة حاكية عن النقش و المثال موازية شطر الحق المتعال، فيتجلى فيها جميع صفات الحق و تتراءى فيها كمالات المبدأ المطلق سوى ما استأثر به كما في الخبر، و ذلك لعدم سعة ظرف الإمكان له، و إن كان له أيضا نصيب من ذلك؛ فهذه العبودية تستحقّ أن يقال لها: «كنهها الربوبية» سوى سائر العبوديات. و أيضا، هذه العبودية هي التي ينبغي أن يصدر صاحبها عن المبدأ تعالى ليكون مجمعا لقاطبة الصفات و مظهرا لواحديّة الكمالات و مجموعا جمليّا يندمج فيه الأنوار لئلّا يتخلّف كمال في الظهور و الإظهار، فهو ظاهر الأحديّة، و هي كنهها و باطنها؛
ثمّ من المستبين انّ تلك العبودية ممّا اختص اللّه به سيّد المرسلين و خاتم النبيّين- صلّى اللّه عليه و آله- بشهادة الذوق و العرفان و الأخبار المتضافرة و قد سبقت شرذمة البيانات المختصة بتلك الأسطر في سوالف الزبر. و ينادي بذلك قوله- صلّى اللّه عليه و آله-: «الفقر فخري و به افتخر» [٢] و كذا ما روي انّه نزل عليه إسرافيل- عليه السّلام- و لم يزل إلّا تلك المرّة و سينزل في القيامة، و أخبره بما خيّره اللّه بين
[١] . مصباح الشريعة، باب ٠٠١ في العبودية.
[٢] . بحار، ج ٦٩، ص ٣٠ و ٤٩.