شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٧٧ - الحديث السادس في ان العيون لم تره بمشاهدة العيان و القلوب رأته بحقائق الإيمان
في معارج الروح، و لا لهم حظ من الشهود النوري، و لا لهم هجرة الى مدينة العلم الحضوري، فهؤلاء حكموا بأنّ الرؤية الواردة في الآثار انّما هي الرؤية بالعين، و ذلك انّما يتيسر في ثانية النشأتين، و توغّلوا في ذلك و أفرطوا حتى أنكروا الشرائط المعتبرة في تحقّق هذا الإدراك من وجود الحاسة و توسّط الهواء المشفّ و اعتدال البعد و غير ذلك، و ان كانوا لم يقولوا بنفي بعض ذلك فيما نحن فيه من رؤية اللّه سبحانه لأنّهم صرّحوا بأنّ ذلك انّما يكون بهذه العين الباصرة. و كلا الفريقين كليل إحدى العينين، و لم يكتحلوا أعينهم بجواهر أنوار المصطفين. و القول الفصل في ذلك مؤيّدا بالنقل الصحيح و العقل الصريح انّ الرؤية الواردة في الآيات و الأخبار انّما هي على معناها الحقيقي من دون تأويل بالعلم اليقيني، و انّه ليس بهذه الجليديّة و لا يمكن أن يتعلّق به سبحانه بعينه و شخصه سواء في ذلك العلم و الرؤية، و ذلك لأنّ رؤية الشيء المجرّد عن الموادّ و كذا العلم بالأمر المقدّس عن الأشباه و الأنداد بعينه الشخصية و ذاته الحقيقية لا يمكن الّا أن يكون بكنهه، أو أن يكون بحدوده و أطرافه، إذ ليس له أحوال و أعراض حتّى تتعلق الرؤية بها، دونه، فلا محالة يكون متعلّقا بكنهه و حقيقته و هو مستحيل الذات خارج عن طوق الجائزات.
فإن قلت: ما نفقه كثيرا ممّا تقول، أ لست قد حكمت أوّلا بأنّ الرؤية على الحقيقة دون المجاز و قد نفيتها ثانيا و صرفتها عن حدّ الجواز.
فأقول: الرؤية المثبتة هي الرؤية بالقلب قال تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [١] و الرؤية المنفيّة هي الرؤية بالعين من حيث يتعلّق به بعينه و شخصه، و ليستا واقعتين في طرفي النقيض حتّى لا يكون بينهما واسطة بل هناك وجوه لا يتناهى؛ و إن كنت من أهل السابقة الحسنى فانظر ما ذا ترى. و بالجملة، لم تتعلق الرؤية القلبية و لا العينية، بل و لا العلم و المعرفة باللّه سبحانه بعينه و خصوصه، و ما سوى ذلك فلا يتفاوت فيه العلم و الرؤية سواء كان بالقلب أو الباصرة قال تعالى:
[١] . النجم: ١١.