شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٧٥ - الحديث السادس في ان العيون لم تره بمشاهدة العيان و القلوب رأته بحقائق الإيمان
في مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان».
شرح: هذا الخبر معناه واضح من الخبر السابق، و فيه أسرار لا يخفى على أرباب الحقائق. و قد روي عنه- عليه السّلام- انّه قال: «ما رأيت شيئا الّا و رأيت اللّه قبله» و هذا إشارة الى ما حقّقنا من تقدّم معرفته سبحانه على معرفة الشيء بنفسه، و يشير الى ذلك قوله تعالى: «و اللّه بكلّ شيء محيط [١] و هو أقرب إليكم من حبل [٢] الوريد [٣] و بالحريّ أن نشير الى لمعة من هذا النور، لكي يصعد من يريد العروج الى ذلك الطور، لكن من جانب النفس المدركة و سيجيء بيان ذلك من جهة المدرك سبحانه».
اعلم انّه من المستبين من إشارات أهل بيت العصمة، و الحقّ اليقين من براهين الحكمة، و المشاهد عند أرباب الشهود و الناظرين في حقائق عالم الوجود، انّ الإدراك في ذوات الأنفس انّما هو للنفس لكن في الموادّ الّتي لم تظهر النفس بكمالاتها ظهورا تامّا، و لم تنطلق من مضيق المادّة انطلاقا كاملا، و لم تستقلّ برأسها، و لم تستبدّ برأيها، فلا بدّ أن يكون إدراكها بتوسط تلك الآلات الماديّة، و وصولها الى الأشياء بظهورها من هذه الشبكات البدنيّة، و لا يكون لها سوى هذه الطرق سبيل الى الاقتناص، و لا له من ذلك مناص؛ و أمّا في المواد الّتي ظهرت بتمامها و خلصت من رقّ المادة و فطمت فطامها، فلا محالة يكون حينئذ إدراكها بذاتها، سواء في ذلك ما تدركه بالرجوع الى ذاتها و الذي تدركه بظهورها من شرفات قصرها، إذ ليس معنى قولنا انّها تدرك بقواها انّ النفس تجزّأت بذاتها أو بقواها الذاتية في هذه المحالّ و تخصّصت حسب تجزئة تلك الأحوال، لأنّها ليست تتجزّى في ذاتها و لا بقواها، أمّا الأوّل فلتجرّدها، و أمّا الثانيّ فلأنّ تجزئة القوى المختلفة تستلزم المادة لا محالة، و ليست أيضا مدركة ببعضها شيئا و ببعض آخر
[١] . في المصحف الشريف هكذا:
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (فصّلت: ٥٤).[٢] . في المصحف الشريف هكذا: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: ١٦).
[٣] . الوريد ... (الى الحديث السابع):- ب.