شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٠٦ - النور الثاني في معنى هذا المثل و المتمثل
في نفسها قابلة للأنوار؛ و ذلك التمكن إن كان بالفكر و الاجتهاد فكالشجرة الزيتونية، و إن كان بالحدس فكالزيت، و إن كان بقوة قدسية فكالّتي يكاد زيتها يضيء، لأنّها تكاد تعلم و إن لم يتّصل بملك الوحي و الإلهام الذي مثله النار من حيث انّ العقول يشتعل عنها. ثمّ إذا حصلت لها العلوم بحيث يتمكّن من استحضارها متى شاءت كان كالمصباح، فإذا استحضرها كان نورا على نور، يهدي اللّه لهذا النور الثاقب [١] من يشاء، فإنّ الأسباب دون مشيّته لاغية [٢] إذ بها تمامها و يضرب اللّه الأمثال للناس إدناء للمعقول من المحسوس توضيحا و بيانا، و اللّه بكل شيء عليم معقولا كان أو محسوسا، ظاهرا كان أو خفيّا، و فيه وعد لمن تدبّر فيها، و وعيد لمن لم يكترث بها.
السابع عشر [٣]، قيل: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ: بدا بنوره، و «النور»:
البيان، فاللّه نور السماوات [٤]، و من نوره النفس سراج مضيء في قلب المؤمن، كما قال: مثل نوره يعني في قلب المؤمن، لأنّ قلبه منوّر بالإيمان، فنور قلبه من نور اللّه بيانا مبينا، فهو ينظر بنور اللّه الى جميع ملكه، فيرى فيه بدائع صنعه، و يرى بنور المعرفة قدرة اللّه و سلطانه و أمره و ملكه، فيفتح له بذلك النور علم ما في السماوات السبع و ما في الأرضين علما يقينيا، فيخضع له ما فيهما، فيلبّيه كلّ شيء على ما يحبّه و يهواه، مثل ذلك النور كمشكاة فيها مصباح- الآية، فنفس المؤمن بيت، و قلبه مثل قنديل، و معرفته مثل السراج، وفاه مثل الكوّة، و لسانه مثل باب الكوّة، و القنديل معلّق بباب الكوّة، إذا افتتح اللسان بما في القلب من الذكر استضاء المصباح من كوّته الى العرش، فالزجاجة التوفيق، و فتائلها من الزهد، و دهنها من الرضا، و علائقها من العقل، و هو قوله: نور على نور؛ و قوله: يكاد زيتها- الآية،
[١] . الثاقب: الثابت د.
[٢] . مشيته لاغية: مشيّة لاعينه د ر.
[٣] . من هنا الى سبعة وجوه ذكره صاحب حقائق التفسير. منه.
[٤] . السماوات:+ و الأرض د.