شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٦٩ - المطلب الثاني تحقيق الحق في معنى«الجنب»
الأجرام هي أعضاؤه و أركانه الظاهرة و الباطنة و اللّه تعالى هو المدبّر فيه و القيوم له بحيث لا شأن في ذلك إلّا و هو شأنه، و لهذا الإنسان الشريف جنبتان لا محالة كما لسائر الأفراد الإنسانية، لكن اعتبارهما في ذلك الإنسان يمكن من اعتبارات ثلاثة:
فالاعتبار الأوّل، إحدى الجنبين عالم النور و القدس و مرتبة العقل و النفس و هي الجنبة العالية، و الجنب الآخر عالم الطبائع و الأجسام و منزل الأبعاد و الأجرام و هي الجنبة السافلة، و قد يعبّر عنهما بيدي اللّه سبحانه، لكن «كلتا يدي ربّنا يمين».
و الاعتبار الثاني، هو أن تكون الجنبتان كلاهما في عالم الأنوار و منزل الأخيار لكن الجنبة العالية عبارة عن الأنوار العقلية و الأرواح الشريفة و النفوس الكلية الإلهية و الجنبة السافلة هي الأرواح الخسيسة و النفوس الشيطانية من الجنّيّة و الإنسية.
و الاعتبار الثالث، هو أن تكون الجنبتان كلتاهما في عالم الأجسام فالجنبة العالية عالم العرش الذي هو صفو هذه الأجرام و لطيف تلك الأجسام و هو الجسم النوري المتاخم لأفق النور و الحد المشترك بين عالم القدس و عالم الزور و منه طينة عليّين و موطن الملائكة المقرّبين، و الجنبة السافلة هي مرتبة كثائف الجسمانيات و شوائب الماديّات و موطن ثقالة الأجرام و كدورة الأجسام.
إذا دريت ذلك فاعلم انّه لمّا كان هذا الإنسان الذي هو العالم الكبير قوام ذاته و قيام وجوده بعلّته التي هي العلّة الاولى، إذ لا شيء خارج من هذا الإنسان بل كلّه باللّه و من اللّه، لأنّه بنفسه ليس و بعلّته أيس كما حقّقنا قبيل ذلك، و لا ريب انّ الأنبياء و الأولياء هو شرائف أجزاء هذا الإنسان و لطائف أعضائه و كرائم قواه و أركانه، سيّما صاحب الولاية الكلية المحيطة بسائر مراتب الولايات، فإنّه يجب أن يكون أصلا في ذلك و باقي الأولياء فروعه و أشياعه و شعبه و أتباعه بل هو هذا الإنسان إذا نظرت بعين العرفان فمن الآداب المستحبّة، بل من الفرائض العقلية و الواجبات العرفانية أن ينسب ذلك الوليّ كلّ خير و كمال و كلّ بهاء و جمال فيه الى اللّه لأنّه ما رأى شيئا في نفسه و في غيره إلّا و رأى اللّه قبله، كما ورد عنه- عليه