شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٤٠ - المقصد الأول في بيان الترجح بلا مرجح و الترجيح بلا مرجح و ترجيح المرجوع و القول الفصل فيها
لا سبيل لهما في حضرة الكبرياء، و انّه لا يلزمه شيء من الأشياء، و لا يلزم هو شيئا، و انّ ذلك ينافي استحقاق المدح الّذي هو مناط استحقاق العبادة، فحكموا بأنّ الاختيار اللائق بجنابه تعالى هو ما يصحّ معه الفعل و الترك بالنظر الى الذّات و الى الداعي و الشرائط في جميع الأوقات، و نفوا عنه الإيجاب بجميع أنحائه و معانيه و هذا هو الحق الّذي نحن عليه و نحمد اللّه، على ما هدانا إليه في تقليد أحكام أهل البيت- عليهم التحيّة و التسليم- و اجتهاد عقولنا في سلوك سبيل البرهان القويم و سوف نقرع سمعك بما يزيح الشك من طبعك، و من اللّه العون في الخلاص عن المهالك، انّه القدير على ذلك. فبالحريّ أن نتكلّم في المقامين: الأوّل في انّه لا يجوز نسبة الظلم و الشرّ و القبيح و أنحاء الإيجاب الى اللّه و أفعاله تعالى، و الثاني في أفعال العباد و كيفية خلقها و سيجيء الكلام في المقام الثّاني في شرح الحديث الثاني إن شاء اللّه و أمّا المقام الأوّل، فنذكر في بيانها مقاصد قد وعدناك الكلام فيها بعد المقدّمة. و عليك أن تضع جلباب الاعتساف و تلبس شعار الإنصاف.
المقصد الأوّل في بيان الترجّح بلا مرجّح و الترجيح بلا مرجّح و ترجيح المرجوع و القول الفصل فيها
أمّا الأول، فامتناعه واضح بيّن بالبداهة العقلية و لست أرى من أهل العقل من ينكر ذلك، اللّهمّ الّا من هو خارج عن الفطرة الإنسانية، داخل في زمرة السوفسطائيّة.
و أمّا الثّاني و الثالث فمعركة للآراء و مدحضة للأهواء: فطائفة أفرطوا و توغّلوا و حكموا بامتناعهما مطلقا، و طائفة فرّطوا و قصّروا و حكموا بجوازهما مطلقا، و فرقة اختاروا الوسط من الطرفين و حكموا بأمر بين أمرين و قالوا: انّما المحال هو الترجيح بلا مرجّح و الترجيح لمرجوح من غير داع مختص، أمّا إذا كان مع الطرف المختار داع سواء ساوى داعي الطرف المقابل أو ضعف عنه فلا استحالة.