شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٧٣ - الحديث الخامس في أن العيون لم تره تعالى بمشاهدة العيان و القلوب رأته بحقائق الإيمان
وصولها الى ما هو خارج عن المدرك بها بالذات. و المراد ب «حقائق الإيمان» هي العقائد الإيمانيّة اليقينيّة من التصديق باللّه و بوجوده و مبدئيّته لكل شيء، و اليقين بأنّه لا يخلو عنه شيء في الأرض و لا في السماء، و انّ مالك الأشياء محيط بها.
و المراد ب «رؤية القلب» و هو الشهود العلمي في المقام العقلي حيث لا يدرك الّا ما هو غير خارج عنه [١]، فمن تلك الحيثية و من كونه سبحانه لا يسعه أرضه و لا سماؤه بل يسعه قلب عبده المؤمن، و من انّه عزّ و جلّ غالب على أمره و كلّ شيء هالك عند وجهه، يلزم ضرورة أن لا يرى صاحب القلب شيئا الّا و هو يرى اللّه سبحانه بكمالاته، و لا ينظر الى أمر الّا و قد وقع بصره الى اللّه بآياته، من دون أن يكون المرئي في شيء من المكان أو أن يكون الإدراك إدراكا له بعينه في موطن العيان، و دون أن تقاس هذه الرؤية برؤية شيء من الأشياء، أو أن يكون ذلك الإدراك بقوة من القوى إذ ليس لشيء [٢] من الموجودات- مفارقاتها و ماديّاتها- ذلك الشأن، فسبحان الذي ليس شأن الّا و له هذا الشأن! ثمّ ان قوله- عليه السّلام-:
«لا يعرف بالقياس» بيان للحقائق الإيمانية و العقائد اليقينية القلبية، فالأوصاف الثلاث الاول: يعنى عدم تيسّر معرفته بالقياس، و عدم وسعه في مدرك الإحساس، و عدم شبهه بالناس، إخراج له تعالى عن حدّ التشبيه، و النعوت الثلاثة الأخيرة:
و هي كونه موصوفا بالآيات، و معروفا بالعلامات، و غير جائز في الأحكام، إخراج له عن حدّ التعطيل، و بمجموعها يتحقّق التوحيد الخالص.
و تفصيل ذلك كما لا يخفى: انّ كونه غير معروف بالقياس تنزيه له سبحانه عن مشابهة الصور العقلية و مجانسة الأنوار العلمية من الأمور الغائبة عن الأبصار و الجواهر المفارقة المقتنصة لشبائك الأفكار، و كونه غير مدرك بالحواس تقديس عن ملابسة المحسوسات من الألوان و الأشخاص من الأعراض و الصفات، و كونه غير مشابه للناس إشارة الى علوّ مرتبة معرفته عن معرفة الإنسان بنفسه، فان
[١] . عنه:- د.
[٢] . لشيء: بشيء د.