شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤ - الحديث الثاني في معنى الواحد
الحديث الأوّل [في معنى الواحد]
بإسناده عن أبي هاشم الجعفري، قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام-: «ما معنى الواحد؟» فقال: «المجتمع عليه بجميع الألسُن بالوحدانيّة»
الحديث الثاني [في معنى الواحد]
بإسناده، عنه أيضا، قال: سألت أبا جعفر- عليه السّلام- يعني الثاني «ما معنى الواحد؟» قال: «الّذي اجتماع الألسُن عليه بالتّوحيد، كما قال عزّ و جلّ: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [١].
بيان: في بعض نسخ الكافي [٢]، بل في أكثرها، «المجمع عليه» على صيغة المفعول من الإفعال بدل الافتعال و في الخبر الثّاني، على مصدره موضع مصدره.
اعلم [٣] انّ هذا السؤال و الجواب في غاية الصعوبة عند النظر الأدقّ، و إن كان في نهاية السهولة عند من لم يذق ذواق الحق! و الّذي أقول في ذلك- بعون اللّه عزّ و جلّ-: انّ السائل لم يسأل عن مفهوم الواحد و ماهيّته، بل عن مسمّاه و مصداقه. لست أعني جميع مصداقاته، بل عن الّذي يحقّ له قول «الواحد» بذاته و هو الذي إذا أطلق «الواحد» من غير [٤] تقييد و إضافة بل مجرّدا حتى عن الإطلاق، اريد منه هذا الواحد بذاته من غير أن يفهم شيء آخر، بل لا يمكن [٥] فهم الآخر و لا يسع هو عند إرادة هذا الواحد، لأنّ ذلك
الواحد- كما سيجيء- هو الّذي يستهلك عنده الواحدات و الكثرات؛ و ذلك لأنّ غير الواحد بذاته انّما يستند إليه الكلّ من فنون الوحدات بناء على انّ كلّ ما هو بسبب غيره فهو معلول لما هو بذاته و المعلول عند العلّة ليس مطلق و عدم محض، فكما هو مستهلك عند العلّة فهو أيس بالعلّة. و لا ريب انّ السائل ذكر «الواحد» من غير تقييد و توصيف فهو المراد من السّؤال؛ فقوله: «ما معنى الواحد؟» أي ما يعنى و يقصد بالواحد الصّرف الذي يحقّ له «الواحد» من دون إضافة أو قيد حتّى عن الإطلاق؛ و بعبارة أخرى: سأل عن «الواحد» الصّرف [٦] الذي لا واحد قبله، و لا بعده، و لا معه، بل لا واحد غيره؛ و بعبارة ثالثة: سأل عن الذي إذا أطلق عليه «الواحد» لم يصحّ إطلاقه على غيره، و لا يجوز ذلك فيلزمه أن لا يكون قبله و بعده و معه واحد آخر؛
و برابعة [٧]: سأل عن الّذي هو واحد من دون أن يكون [٨] ذات و صفة هي عينها، أو تزيد [٩] عليها، و من غير أن يلاحظ انّ هاهنا شيئا هو الواحد، بل هو واحد بلا واحد، كما دريت في معنى قولهم- عليهم السّلام-: «هو قبل القبل بلا قبل [١٠]». و هذا هو الواحد المحض و «الواحد المبسوط» في تعبيرات أثولوجيا [١١]. و قد عرفت انّه يلزمه أن لا واحد غيره، كما سيجيء في خبر الفتح الجرجاني [١٢]، حيث قال عليه
[١] - لقمان: ٢٥
[٢] - الكافى ج ١ ص ١١٨. و الخبر الثانى فيه هكذا: «اجماع الالسن عليه بالوحدانية». و ما عثرت على الخبر الاول فى كتاب التوحيد من الكافى.
[٣] - بسم الله تعالى لا يذهب و لا يخفى على الاولى الادب و النهى ان ما يقصد من الواحد فى حق الحق و الوجود و المطلق بانّه واحد لا شريك له بلسان العامي سواء كان من أهل الأديان الحقّة أو من أصحاب الآراء الباطلة حسب ما وصل وهمه إليه كثير بوجوه كثيرة عند الخاص. و لا يجتمع عليه بالوحدانية جميع الألسنة. و أمّا ما يقصد منه بلسان الخاصي حسب ما أدّى إليه فهمه فهو كثير بوجوه عند خاصّ الخاص و لا تجتمع عليه الألسن بالتوحّد و الفردانيّة. و أمّا ما يقصد منه بلسان رمز خاص الخاص و هم أهل اللّه خاصّة و أهل الوحدة الحقّة، حسب ما انكشف على بصيرتهم من الصحو بعد المحو، فهو حق الواحد و الواحد الحق، و لا يتطرّق إليه شوب كثرة أصلا. و يجتمع على وحدانيّته و يتّفق على فردانيته جميع الألسنة، حالية كانت أو مقالية، عادلة كانت أو غير عادلة. و يجمع على كونه الوحدة الحقّة و حق الوحدة بجميع الوجوه جميع الألسن عامة كانت أو خاصة، خاصية حقيّة كانت أو أحقيّة. و بوجه آخر حالية كانت أو مقالية، إلهية كانت أو غير إلهية، شاعرة كانت أو غير شاعرة. فظهر مما أظهرنا انّ توحيد الحق و حق التوحيد لا يتصوّر الّا من أهل الوحدة و هم أهل اللّه و أهل الحق خاصة. و توحيد غيرهم لا يخلو من التكثير و الاشتراك فافهم هذا، فانّ فيه غاية مبتغاك. و لعلّه عليه السّلام أراد بقوله الوجيز:
«المجتمع عليه بجميع الألسن بالوحدانية» ما أومأت إليه. و الظاهر من كلامه عليه السّلام و ان كان ما بيّنه الشارح العارف الكاشف عن غوامض أسرار كلماتهم المرموزة عليهم السّلام، و لكن لا ينافي ما أظهرنا و لا يأبى عمّا أشرنا، لأن لكلامهم- عليهم السّلام- ظهرا و بطنا فتفطّن ما قلنا. إن كان هذا صوابا فهو من اللّه تعالى. و إن كان خطأ و ضلالا فهو من نفسي وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي. نوري ر.
[٤] . من غير:- ب.
[٥] . لا يمكن:+ ا ن م ن.
[٦] . الصّرف:- در.
[٧] . و برابعة: و رابعة م د.
[٨] . أن يكون:+ قبله و بعده و معه واحد آخر. و بخامسة سأل د.
[٩] . تزيد: يزيد د.
[١٠] . التوحيد، ص ٧٧؛ المجلّد الأوّل من هذا الشرح، شرح حديث ٣٣ من الباب الثاني.
[١١] . اثولوجيا، الميمر الثامن، ص ٩٥ و ١١٢ و الميمر العاشر، ص ١٣٤.
[١٢] . التوحيد، ص ٦٢، ١٨٥، و مرّ في المجلّد الأوّل من هذا الشرح، في شرح حديث ١٨ من الباب الثاني.