شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٤٤ - المنهج الثاني في تحقيق محل الجنة و النار
عنهما بالقدمين؛ ثمّ أدار في جوف الكرسيّ الفلك الأطلس و بينهما «عالم الرفرف» و هي المعارج العلى، و فيه مقام جبرئيل، و إليه ينتهي علم علماء الرصد؛ ثمّ أحدث اللّه الفلك الرابع، و خلق «عالم الرضوان» بينه و بين الفلك الأطلس، و سطحه أرض الجنة، و مقعّره سقف النار. و فيه أسكن «رضوان» خازن الجنان و ملائكته تسمّى «التاليات» و هذا الترتيب لا يمكن إدراكه إلّا بخبر الصادق أو الكشف الصحيح.
و في هذا الفلك كان في الجنة أنهار و رياح و شجر و حور و قصور و ولدان و أكل و شرب و نكاح و انتقالات من حال الى حال على أعلى أهل الطبيعة، إلّا انّ الأمر ثابت في عين القوابل، فلا يستحيلون أبدا، و لكن تختلف الصور و المطاعم و الملابس و المناكح و الأعراض. و ذكر بعضهم في تفصيل «النكاحات الخمسة المعنوية» انّه ينتهي النكاح الثاني التي مقعّر الفلك المكوكب الذي هو أحد وجهي «الأعراف» أعني الذي يلي جهنّم، و هذا الفلك هو الكرسي على القول المشهور و فلك المكوكب الذي هو الرابع من الأفلاك الدائمة الباقية و محدّبه أرض الجنة و مقعّره سقف النار، و عالم الرضوان بينه و بين فلك البروج الذي فوقه و هو الأطلس و فيه أسكن «رضوان».
فإن قيل: هل يمكن التوفيق بين القول بأنّ الأفلاك الدائمة الباقية اثنان و بين القول بأنّها أربعة.
قيل: لعلّ القائل بالأربعة اعتبر صورتهما المثالية تارة بحكم المرتبة التي ظهرت الهيئة فيها فسمّاهما ب «العرش» و «الكرسي» و اعتبر صورتهما الجسمانية المركبة من الطول و العرض و العمق اخرى فسمّاهما ب «الفلك الأطلس» و «الفلك المكوكب»، و اللّه أعلم. و شرح هذه الكلمات بحيث يقرب من القواعد العقلية: انّ الطبيعة بحكم محلّها الذي هو جوهر «الهباء» لمّا انبسطت انبساطا تامّا وحدانيّا حسب مقتضاها، و تصوّرت بأقرب صورة الى الوحدة عيّن الباري تعالى صورة مستديرة هي العرش المحيط بجميع عالم الصور، و لأنّ هذا الكون الهبائي مظهر