شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٨٨ - فالحديث تفسير قوله تعالى كلا إنهم عن ربهم
و الحدّ عنه تعالى. و قوله عليه السّلام: «يحلّ فيه» جملة وصفية للتعليل، أمّا على «مذهب البعد» فظاهر لأنّ أهل البعد يقولون بحلول بعدي المكان و المتمكن، و أمّا على «مذهب السطح» [١] فلحلول سطح المتمكن في جسم المكان و بالعكس، و إن كان السطحان يتداخلان، فافهم. و يمكن أن يحمل الحلول على النزول في المكان كما هو الظاهر، و المحل هو «المكان» باصطلاح المتكلّمين، أي ما يعتمد عليه الشيء.
و استحالة ذلك كلّه على اللّه واضح قد فرغ عنه و قد سبق مرارا. و قوله عليه السّلام: «فيحجب» الى آخره، إشارة الى عدم احتجابه تعالى بشيء. و وجه تفريعه على الحاجة الى المكان هو انّ الشيء المكاني و إن كان أعظم من كلّ شيء أو كان في كمال النورية، فمن شأنه أن يتوسط بينه و بين الناظر إليه شيء يمنع عن التوصل إليه، كما يشاهد من أمر السماء و الشمس حيث يحجبهما السحاب. و الظاهر انّ الأمر بالعكس أي الحلول في المكان متفرّع عن وجود الحجاب، و ذلك لأنّ زعم أهل الحجاب إمكان الحجاب للّه يقتضي التمكن و الحلول، إذ احتجاب أحد الشيئين عن الآخر يستلزم توسّط أمر [٢] بينهما، و ذلك لا يمكن إلّا [٣] بأن يكون هذا في جهة و ذلك في أخرى.
فإن قلت: قد تكرّر في الأخبار نفي الحجاب عنه تعالى و اعترفنا بذلك، لكن قد ورد في بعضها انّ حجابه نوره، كما ورد: «يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه» [٤] و في بعضها: انّ حجابه خلقه، فقد ثبت الحجاب من وجه.
قلت: أمّا الأوّل فقد ورد في نفي احتجاجه و سلب الحجاب من جهته سبحانه
[١] . في باب المكان و المذاهب فيه، راجع: الشفاء، السماء الطبيعي، ص ١١١- ١٢٣، خاصّة ص ١١٤: «فصل- في ذكر مذاهب الناس في المكان و إيراد حججهم»؛ المباحث المشرقيّة، ج ١، ص ٣٢٧- ٣٣٨، خاصّة ص ٣٣٢: «الفصل ١٧- في ضبط المذاهب في ماهيّة المكان».
[٢] . أمر: الأمر د.
[٣] . إلّا:- س.
[٤] . بحار، ج ٩١، ص ٤٠٣.