شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٠٢ - الحديث الخامس عشر في صفات الأفعال
يزل عالما قادرا، ثمّ أراد.
شرح: ذكر المصنّف- رحمه اللّه- في أكثر الأخبار السابقة ما تبيّن صفات الذات بأقسامه، فشرع في ذكر أخبار تذكر [١] فيها صفات الأفعال، و منها هذا الخبر الذي يدلّ على انّ الإرادة من صفات الفعل. و استدل الإمام- عليه السّلام- على ذلك بأنّ الإرادة لا يكون إلّا لمراد معه. و تقريره: انّ الإرادة بأيّ معنى كان يتوقّف على العلم توقّفا سببيّا لأنّه لما علم تعقلت الإرادة و ذلك واضح لا سترة فيه. و إذا كان كذلك يكون متأخّرا عن العلم، و ذلك ينافي الأزلية، لأنّ الأزليّة تأبى عن التقدّم و التأخّر لأنّهما من لوازم الغيرية و التعدّد المنافي للأزلية. و لمّا ثبت عدم الأزلية فيجب أن يكون مع المراد، و إلّا يلزم الترجيح بلا مرجّح. و الى هذا التقرير يشير قوله- عليه السّلام-: «بل لم يزل عالما قادرا ثمّ أراد» و قد استفدنا من ذلك، فتبصّر. و يمكن أن يستدلّ على حدوث الإرادة و كونها مع المراد بقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٢] و صورة الدليل: انّ هذه الشرطية لزومية و إلّا لكان يمكن تحقّق الإرادة بدون قول «كن» و بالعكس، و الثاني شنيع كما لا يخفى، و الأوّل تبطله كلمة «انّما»، و إذا كانت لزومية فلا ينفكّ قول «كن» عن الإرادة كما لا ينفك «فيكون» عن قول «كن» فثبت المدّعى؛ و سيجيء دلائل أخر على هذا المطلوب في الأخبار الآتية، و كذا على مغايرته للعلم و سائر الصفات الذاتية، سيّما في خبر سليمان المروزي [٣] إن شاء اللّه تعالى.
و المراد بالمعيّة بين المريد و المراد المعية الزمانية من حيث الإرادة، فالمريد من حيث الإرادة غيره من حيث نفسه بخلاف السمع و البصر و العلم من اللّه تعالى على طريقة أهل الحق فانّه لا مغايرة أصلا. و بالجملة، فالمريد من حيث ذاته و كذا من حيث كونه مريدا متقدّم على المراد بالذات، لكنّه معه بالزمان من الحيثية الثانية.
[١] . تذكر: يذكر س.
[٢] . يس: ٨٢.
[٣] . التوحيد، باب ذكر مجلس الرضا مع سليمان المروزي متكلّم خراسان، ص ٢٤١.