شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٩٨ - الحديث الرابع احتجاج أبي عبد الله(ع) مع ابن أبي العوجاء في قدرته تعالى
و قال يا ابن المقفّع! ما هذا ببشر و إن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهرا و يتروّح إذا شاء باطنا، فهو هذا، فقال: و كيف ذاك؟
قال: جلست إليه، فلمّا لم يبق عنده غيري، ابتدأني فقال: إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء و هو على ما يقولون يعني أهل الطواف فقد سلموا و عطبتم، و إن يكن الأمر كما تقولون و ليس كما يقولون فقد استويتم أنتم و هم. فقلت له: يرحمك اللّه و أي شيء نقول و أيّ شيء يقولون ما قولي و قولهم إلّا واحدا. قال: فكيف يكون قولك و قولهم واحدا؟ و هم يقولون: انّ لهم معادا و ثوابا و عقابا، و يدينون بأنّ للسماء إلها و انّها عمران، و أنتم تزعمون انّ السماء خراب ليس فيها أحد.
شرح: «تجسّد» أي صار جسدا و «تروّح» أي صار روحا. قوله: «ظاهرا» حال من فاعل «يتجسّد» كما انّ «باطنا» حال من فاعل «يتروّح» أي يتجسّد حالة إرادة الظهور، و يتروّح حال إرادة الخفاء و البطون. و فيه إيماء الى انّ معتقد هذا الزنديق أن لا مجرّد في الوجود، إذ لو كان معتقدا لذلك، لحكم انّه كذلك؛ و أيضا لدلالة قول الإمام- عليهم السّلام- بعد ذلك من ذكر مذهبه انّه يعتقد خراب السماء. و في قول الإمام- عليه السّلام-: «إن يكن الأمر كذا» إخبار له بالغيب حيث تكلّم الزنديق مع ابن المقفّع في مذمّة أهل الطواف. و «عطبتم» أي هلكتم. «يدينون» أي يعتقدون و يجعلونه دينا. قوله: «و انّها عمران» أي معمورة بنفوس شريفة و عقول نورية و ملائكة لطيفة مدبّرة، فهذا الخبر يدلّ على وجود النفوس السماوية و ساكن صوامع القدس، و في الخبر الآخر: «أطّت السماء و حق لها أن تأطّ، ما فيها موضع قدم إلّا و فيها ملك راكع أو ساجد» [١] و لعل «الراكع» إشارة الى النفوس المقدسة، و «الساجد» الى العقول القاهرة. و قوله: «و أنتم تزعمون انّ السماء خراب» لأنّ الدهرية لا يقولون بمدبّر غير الطبيعة الغير الشاعرة، فهي
[١] . أشرنا الى مأخذه سابقا.