شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٧٢ - أصل في بيان امتناع تحقق الشر بالنظر الى كبريائه تعالى مع ان الكل من عنده
اعلم انّ الشرّ بالذات ما يكون الشريّة داخله في ذاته أو من لوازم ذاته. و ذلك مستحيل الوجود، غير جائز في عالم الشهود، و ذلك لأنّه من المستبين انّ في المبدأ الأعلى بحسب ذاته خيريّة لاستناد الخيرات الواقعة في العالم الى حكمته البالغة، و يجب من ذلك أن يكون خيرا محضا لا شريّة فيه أصلا، إذ لو كانت فيه شريّة:
فإمّا جزء ذاته فيلزم التركب، تعالى عن ذلك؛ و إمّا من لوازم ذاته فيلزم أن يكون شرّا محضا إذ البسيط الحقيقي ليست فيه جهة و جهة، على انّه يمتنع عند أهل الحقّ أن يكون المبدأ الأوّل تعالى يستلزم شيئا أو يستلزمه شيء.
إذا ثبت هذا، نقول: لو كان في الوجود ماهيّة هي شرّ بالذات بالمعنى الذي قلنا:
فإمّا أن يكون مستندة إليه تعالى، أو الى غيره، أو مستقلّة بنفسها. و الغير: إمّا أن ينتهي الى المبدأ الأوّل، أو ينتهي الى غيره ممّا لا ينتهي إليه، فهذه أربعة أقسام كلّها ممتنعة: أمّا الأوّل، فلأنّ المعلول عند أهل المعرفة أثر من آثار العلّة و عنوان لأوصافها الذاتيّة و كمالاتها الحقيقية، فاستناد الشرّ إليه ينافي خيريّة المحضة، و كذا الثّاني لأنّ الانتهاء إليه هو الاستناد إليه، لأنّ الوسائط لا دخل لها في إفادة الماهيات و جعل الذوات و الوجودات، بل ذلك ممّا استأثر اللّه به و لا يتعدّاه الى غيره، و أمّا الثالث و الرابع و هما أن ينتهي الى مبدأ مستقل أو يكون الشر مبدءا مستقلّا فممتنعان أيضا، لما قد ثبت من امتناع ذاتين مستقلّتين في الوجود، و مع قطع النظر عن البرهان لا يوجد لهذا الحكم مخالف، إذا الثنوية أنفسهم قائلون بأنّ يزدان الذي هو فاعل الخير خلق أهرمن لتصدر عنه الشرور؛ فثبت انّه لو كان في الوجود شرّ لكان ذلك بالعرض و بالقياس الى شيء، فنقول:
هذا الذي هو شر بالقياس: إمّا أن تغلب فيه الشريّة و ذلك بأن تترتّب الشرية على وجوده أكثر من الخيرية، أو بأن يكون شرّا بالنظر الى أكثر الموجودات، و إمّا ان تقلّ فيه الشرية، و إمّا أن تتساوى خيريّته و شريّته بالمعنيين الّذين سبق ذكره في