شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٧ - تبصرة أيضا في الإبصار
قوّة خياليّة، ثمّ قوّة حسيّة، فإذا أدركت بكلّ واحدة من القوى الحسيّة و الخياليّة و العقليّة أدركتها في تلك المرتبة بنفسها و قوّتها الوحدانيّة الّتي هي ذاتها، لا على انّ الشيء خارج عنها مطلقا، بل على انّه كالجزء لها، أو من جملة آثارها التي ظهر منها، و إن لم تكن عالمة بذلك العلم، فلم تكن مدركة لشيء خارج عن ذاتها أصلا في أيّ موطن كان، فجماعة عبّروا عن ذلك التوجّه، ب «خروج الشّعاع» و شرذمة عبّروا عنه ب «الإشراق الحضوريّ» و طائفة عبّروا عن ذلك الوجدان ب «الانطباع» حيث كانت تلك الصورة مكتنزة في النّفس، فصارت منكشفة.
و فذلكة هذا الخطاب، انّ للإنسان ثلاث درجات: إنسان عقليّ و إنسان مثالي، و إنسان طبيعيّ كما انّ للحقائق ثلاث مراتب: كونها معقولات و متخيّلات و محسوسات. فالإنسان العقلي يدرك ما في حيطته من المعقولات بنفس ذاته، و هو جامع شتاتها و مجمع متفرّقاتها؛ و الإنسان المثالي النفساني يدرك الأشباح النّورية المثاليّة و الامور الخياليّة بنفسه في مرتبة كونه مثاليّا، على انّها فيه من جهة ذاته، و غيره من جهة أخرى؛ و الإنسان الطبيعيّ يدرك المحسوسات بنفسه في نفسه، على انّها داخلة فيه من حيث ذاته خارجة عنه من حيث آثاره، فالإنسان العقليّ كلّ الأشياء المعقولة، و الخياليّ كلّ الأشياء [١] الخياليّة، و الطبيعيّ كلّ الأشياء المحسوسة.
و هذا الّذي أخبرناك في هذا الكتاب باب يفتح منه أبواب، و كأنّك لم تسمع بمثل هذا في صحيفة و خطاب، لكنّه قد مشى بعض الأعلام [٢] هذا الممشى و إن لم يصب ذلك المرمى قال قدّس سرّه: «و الصورة الّتي يشاهدها الحسّ غير الصّورة الّتي في المادّة، و لها نحو آخر من الوجود ألطف و أشرف و أقوى من الّتي في المادّة. و هي عندنا غير قائمة بآلة جسمانيّة من عين أو جليديّة، بل قائمة بالنّفس قيام الفعل بالفاعل ماثلة بين يديها، تشاهدها بنفسها لا بصورة أخرى، لأنّ وجودها وجود
[١] . الخيالي كلّ الأشياء:- د.
[٢] . و هو صدر المتألهين الشيرازي، فانّ الشارح يعبّر عنه كثيرا هكذا، و إن لم أعثر على موضع كلامه.